في صناعة القرار الحكومي

زياد غصن

عندما نفى وزير النفط قبل عدة أشهر وجود نية حكومية لرفع سعر مبيع مادة البنزين، ثم اتضح لاحقاً أن الوزير لم يكن على علم مسبق بالزيادة التي حصلت لاحقاً، فذلك شكل دليلاً على وجود خلل كبير في عملية صناعة القرار الإداري والاقتصادي في سورية.

وهذا الخلل ليس بالأمر الطارئ الذي فرضته ظروف الحرب، وإنما يعود لسنوات سابقة، وقد تناولته الصحافة المحلية آنذاك بأكثر من مقال وتحقيق.

كما أن هذا الخلل ليس محصوراً فقط بقرارات معينة أو بجهة حكومية محددة، وإنما يكاد يكون قاسماً مشتركاً للكثير من القرارات والبلاغات والتعاميم الحكومية… وحتى التشريعات أحياناً!

وبناء على ردود الفعل التي أعقبت ولاتزال تعقب صدور العديد من القرارات الحكومية، فإنه يمكن تحديد أوجه الخلل المصاحبة لعملية صنع القرار الحكومي باثنين: الأول محدودية النقاش والحوار الذي يبنى على أساسهما مشروع أي قرار، وما يستتبع ذلك من مخالفات ونتائج سلبية. والوجه الثاني يكمن في طغيان الرؤى والاجتهادات الشخصية على صياغة القرار بدلاً من الدراسات البحثية والمسوح العلمية.

وتأكيداً على ما سبق دعونا نستعرض أو نناقش سوية قرارين صدرا مؤخراً، الأول يتعلق بالحالات التي يسمح بها تمديد خدمة العاملين في مؤسسات الدولة، والثاني خاصة بمعايير انتقاء معاوني الوزراء والشروط الواجب توفرها ومدة شغل المنصب.

القراران أثارا جملة من التساؤلات أبرزها… هل توقيت صدور القرارين كان مناسباً؟ بمعنى هل مؤسسات الدولة لديها ما يكفي حالياً من كوادر نوعية حتى يتم وقف تمديد خدمة العاملين وحصر ذلك ببعض المناصب والاختصاصات؟ وهل تم تفعيل منصب معاون الوزير ومنحه الصلاحيات الكافية حتى نقفز إلى الخطوة التالية المتعلقة بعملية الانتقاء والتقييم؟ وهل يكفي عرض مشروع القرارين على مجلس الوزراء؟

أعتقد، وهذه وجهة نظر شخصية، أن معالجة ملف تمديد خدمة العاملين والحد من ظاهرة المحسوبيات والفساد لا تتم بهذه الطريقة لعدة أسباب من بينها:

-عدم استشارة الجهات والمؤسسات العامة في تحديد الاختصاصات والفئات التي تحتاجها، إذ أن الاكتفاء بجمع بيانات عن العاملين الممدد لهم خلال العام الأخير لا يعني أن هذه البيانات تعكس حقيقة احتياجات الجهات والمؤسسات العامة، وتالياً فلا يمكن البناء عليها.

-عدم معالجة مشكلة المحسوبيات والعلاقات الشخصية في رفع طلبات التمديد، فالقرار لايزال بيد الإدارات العامة، التي وإن كانت ليست هي من يصدر قرار التمديد، لكنها في الواقع هي من يرفع المعلومات، وفي بلدنا باتت المعادلة معروفة: ترفع المعلومات إلى الجهة الأعلى فتعود على شكل قرارات!

-ما المعيار الذي تم الاستناد عليه في السماح بتمديد خدمة المديرين العامين؟ فالمدير العام الذي يتوقف عليه عمل مؤسسة عامة لا يستحق أن يبقى يوماً واحداً، فهو غالباً فاسد أو فاشل إدارياً لكونه لم يسمح لقيادات الصف الثاني بالظهور وتنمية مهاراتهم وخبراتهم، مع الاعتراف بوجود كفاءات نوعية في الإدارات العامة لا تعوض ويجب عدم الاستغناء عنها.

أما فيما يتعلق بقرار معاوني الوزراء، فإن هناك ملاحظات جوهرية وما كانت لتمر لو أن المشروع خضع لنقاش معمق.

أولى الملاحظات أن القرار يتضمن مخالفة دستورية واضحة وصريحة تتعلق باحتساب الخدمة السابقة عبر اعتماد الأثر الرجعي، فضلاً عن كون القانون رقم 14 لعام 2018 والخاص بمعاوني الوزراء لم يتضمن تحديد مدة إشغال المنصب، وتالياً فما لم يرد في تشريع لا يمكن أن يضاف بقرار من رئيس مجلس الوزراء.

والسؤال… هل كان يمكن لهذه المخالفات أن تمر لو أن مشروع القرار خضع لنقاش أوسع؟

الملاحظة الثانية أن القرار يبقي معاون الوزير تحت “رحمة” الوزير، فاستمارات التقييم المطلوب تقديمها ستكون متأثرة بالعلاقة الشخصية بين الوزير ومعاونه، في حين أن المطلوب إعادة تصحيح للعلاقة بحيث يتم تفعيل منصب المعاون، وضمان شغله من قبل شخصيات مؤهلة قادرة على تقديم قيمة مضافة للعمل المؤسساتي.

ومع ذلك، فإن أي جهد يبذل حالياً لتصويب العمل المؤسساتي في الدولة هو أمر محمود، لكن لضمان نجاحه لابد من أن تكون مساحة الحوار والنقاش حوله أوسع وأعمق، وألا تفرض جهة ما رؤيتها ووجهة نظرها أياً كان اختصاصها ومهامها، وللتذكير فالعديد من الاستثمارات والمشروعات الكبرى أوقفها سابقاً أو عرقل تنفيذها في النهاية موظف أو رئيس دائرة!

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

80 − = 79