وقفة على الأطلال

عبد الحليم سعود

 لدينا في بلادنا عادة قديمة يبدو من الصعب الإقلاع عنها، نطلق الشائعات ونثرثر أكثر من الضروري ونؤلف القصص والحكايا التي ترضي فضولنا وتشبع غرورنا وتساهم في تعويضنا (معنويا فقط) عن أشياء تنقصنا ولا نستطيع الحصول عليها، وليست المشكلة هنا في إطلاق الشائعة، وإنما في سرعة تصديق الناس لها، حيث لا ينفع بعد ذلك أي نفي أو توضيح لإخماد نيرانها التي أكلت الأخضر واليابس وحققت أغراض مطلقيها، وفعلت أسوأ ما يمكن أن نتصوره..!

 منذ مدة راجت في أوساط ذوي الدخل المحدود شائعة تتحدث عن زيادة في الرواتب والأجور، ورغم صدور نفي وتوضيح من جهات عدة، لكن ذلك لم يمنع الكثير من تجارنا (الأفاضل) من رفع أسعارهم من أجل قطاف ثمار الزيادة الافتراضية وقصف عمرها قبل أن تولد من رحم وزارة المالية والصرافات الآلية، حتى الخالة (أم فهد) التي تبيع المساعدات الغذائية في حيّنا ( وهي مساعدات مقدمة مجاناً من برنامج الغذاء العالمي للمتضررين من الحرب) رفعت أسعار موادها، بحيث عجزت كل محاولاتي في إقناعها أن القصة مجرد شائعة مغرضة لا أكثر، (ورأسها وألف سيف) أن الأخضر الملعون قد رفع (منخاره) في السوق السوداء من جديد..!

بصراحة كنت أريد أن أخصص هذه الزاوية لآخر صرعات الموضة والماكياج وآخر عمليات التجميل والشد والنفخ والبوتكس والفللر، على اعتبار أن الأمور في بلادنا عال العال ولا أحد  يشكو من شيء، وكل ما يقال عن معاناة الناس والأزمات التي تعصف بهم هو مجرد شائعات مغرضة من إعداد جماعة الفيسبوك، ومن يرى نشرة السادسة مساء على الفضائية السورية سيتأكد من ذلك….!!!!

 فطوابير السيارات على محطات الوقود التي تُرى من كوكبي المريخ والمشتري (ولا من شاف ولا من دري) هي كلام حساد وخصوم ومغرضين، غير أن أحد الجيران اللجوجين النقاقين استوقفني في الشارع، وعاتبني بشدة لتقصيري وتقصير الصحافة بحق أمثاله، فحاولت استيضاح الأمر ونفي التهمة عن (السلطة الرابعة)، لكنه ظل متشبثا برأيه (ورأسه وألف سيف) أنني وزملائي الصحفيين نعيش في (برج عاجي) ولا نرى ما يحدث من كوارث يومية على الأفران ومحطات الوقود ووسائل النقل ووو ….ودخل في موشحات طويلة وأنا مستعجل في مشواري، فحاولت التهرب من النقاش معه، لأن إدخال فيل في ثقب إبرة أهون من إقناع أحمق معاند، وبينما كادت فزلكاته أن تخرجني عن طوري، خطرت في بالي فكرة شرعت بتنفيذها على الفور،  قلت له أيها الجار (العزيز) أحب أن أبشرك بأنني تركت الصحافة وتحولت إلى الشعر، باعتبار كل أمثالك يفهمون بالشعر أكثر من الصحافة، فقال : هل لديك شيء تسمعنا إياه، فقلت نعم اسمع هذه القصيدة:

 قفا نبكِ من جارٍ غليظٍ مُزهمرِ      لهُ في كل آنٍ حكايا تخجّلِ

مكر مفر مقبل مدبر معا…      كجلمود صخر حطه السيل من علِ

ألا أيها الجار (العزيزُ) ألا انجـــلِ     وغادرني بحق الله، قبل أن ابتلي 

فقال: هذه قصيدة جميلة لأمرؤ القيس… ولكن ما مناسبتها يا جار..!

فقلت له وقد استفزني وأفقدني جزءا من توازني النفسي : مجرّد وقفة على الأطلال..!!!

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

49 − = 45