مع إعادة إقلاعه الجديد لا يحتاج الاقتصاد لأي مظاهر رفاهية مفرطة وغير مبررة بل التركيز على الأولويات والاحتياجات المعيشية
حديث الأربعاء الاقتصادي رقم /٣٥٧/ استثنائي /1/
كتبه د.عامر محمد وجيه خربوطلي

اقتصاد الضرورة
يبدو أن الرفاهية ستبقى أمراً طارئاً سواء على مستوى الأفراد أو الكيانات وحتى الدول لأنها تحتاج لعوامل رسوخ واستدامة ليست أصلاً من طبع الحياة المتقلبة دوماً ما بين عسر ويسر وغنى وفقر.
الاقتصاد أصلاً بطبيعته كأحداث وتوازنات وقواعد دوماً متغيرة ومتقلبة من الانكماش والركود إلى التوسع والازدهار أو ما يسمى مصطلحاً بـ (الدورات الاقتصادية) وهي التقلبات المنتظمة وغير المنتظمة في النشاط الاقتصادي الكلي لدولة أو منظمة على مدى فترة زمنية وتلقي بظلالها على مؤشرات رئيسية مثل الناتج المحلي الإجمالي والتشغيل والاستثمار والاستهلاك وإلى ما هناك من مؤشرات.
أي أن حالة الازدهار مهما طالت لن تكون حالة مستمرة ومهيمنة ولا بد لها في نقطة زمنية معينة أن تتغير سواء بفعل كينونة التغير والتبدل أو بفعل الظروف والأحداث الطارئة وفي مقدمتها الحروب والكوارث والأوبئة.
في هذه الحالة يبرز دور ما يسمى أيضاً اصطلاحاً (باقتصاد الضرورة) الذي هو نمط اقتصادي ينمو في ظروف استثنائية من خلال تحول الهدف الأساسي للنشاط الاقتصادي من تحقيق الفائض والربح إلى أهداف مختلفة تتركز على تأمين متطلبات البقاء والاحتياجات الأساسية والتركيز على سلاسل الإمداد المحلية للسلع والمواد بدل الخارجية المعتمدة على الاستيراد وقطع المسافات الطويلة غير الآمنة والمكلفة.
بالإضافة إلى التركيز على تغيير أنماط الاستهلاك من الكمالي إلى الأساسي المتاح والمتوفر محلياً واقتصاد الضرورة يعيد تعريف (القيمة) في هذه الحالة من ما يملكه الأفراد أو الدولة من أموال إلى القدرة على تأمين المواد الكافية من غذاء وطاقة بشكل متواتر ومستمر وغير مكلف.
الاقتصاد السوري في مرحلة إعادة إقلاعه الجديد لا يحتاج لأي مظاهر رفاهية مفرطة وغير مبررة أو مشاريع كمالية أو سلع مستوردة غير ضرورية في هذه المرحلة بل هو ومن خلال ظروف المنطقة والحروب الدائرة التي تلقي بظلالها بقوة يحتاج الاقتصاد إلى التركيز على الأولويات والاحتياجات المعيشية للصمود في وجه التحديات الداخلية والخارجية وتداعيات حروب المنطقة ريثما يتم بناء قاعدة استثمارية زراعية وصناعية وخدمية قادرة بنفسها على توليد قيم مضافة جديدة تزيد من الناتج المحلي الإجمالي والفردي وتخلق المزيد من فرص العمل وبالتالي تزداد الدخول ويتحسن الاستهلاك الذي هو محرك النشاط الاقتصادي.
اقتصاد الضرورة مرت به جميع الدول التي خرجت من الحروب والأزمات والكوارث وحتى التي تعيش في ظروف سياسية وأمنية واقتصادية قلقة لأنه يبقى الضمان لمرحلة مستقبلية جديدة من الرفاه والازدهار.
دمشق 11- آذار -2026
مع تحيات العيادة الاقتصادية السورية
