السلطة الرابعة – متابعات :
يشهد العام الجاري محطة مفصلية داخل الأمم المتحدة، حيث تتجه الأنظار إلى عملية اختيار الأمين العام الجديد، مع اقتراب انتهاء الولاية الثانية والأخيرة للأمين العام الحالي غوتيريش في 31 ديسمبر 2026.
قدّم المرشحون لمنصب الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة خلال هذا الأسبوع مواقف عامة ركّزت على دعم وتعزيز دور المنظمة في حفظ السلام والاستقرار الدولي، مع الحرص على تجنّب الدخول في تفاصيل حساسة.

ويتنافس على خلافة الأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش كل من ميشيل باشليه، ورافاييل غروسي، وريبيكا غرينسبان، وماكي سال، حيث يسعى كل واحد منهم لتولي المنصب ابتداءً من 1 يناير 2027، مع انتهاء الولاية الثانية والأخيرة للأمين العام الحالي.
ويُنظر إلى هذا السباق باعتباره من أبرز الاستحقاقات داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة نظرًا لتأثيره على مستقبل عمل الأمم المتحدة في ملفات السلام والتنمية وحقوق الإنسان.
وخلال هذا الأسبوع، خضع كل مرشح لسلسلة جلسات استماع امتدت نحو ثلاث ساعات، أجابوا خلالها على أسئلة ممثلي الدول الأعضاء البالغ عددها 193 دولة، إضافة إلى ممثلين عن منظمات المجتمع المدني.
وجرت هذه الجلسات في إطار ما يُعرف بـ”الحوارات التفاعلية”، وهي صيغة اعتمدتها منظمة الأمم المتحدة لإتاحة قدر أكبر من الشفافية في عملية اختيار الأمين العام.
وخلال هذه الجلسات، قدّم المرشحون رؤيتهم حول مستقبل المنظمة، وتطرقوا إلى أولوياتها في المرحلة المقبلة، خاصة ما يتعلق بتعزيز فعالية عمليات حفظ السلام، وتحسين آليات الاستجابة للأزمات الدولية، وتقوية التعاون بين الدول الأعضاء، إضافة إلى معالجة التحديات المالية والإدارية التي تواجه المنظمة في الوقت الراهن.
في المقابل، تجنّب المرشحون اتخاذ مواقف مباشرة بشأن النزاعات والأزمات الجارية، وذلك في إطار عملية اختيار دقيقة تتطلب توازنًا دبلوماسيًا بين الدول الأعضاء المختلفة.
ورغم الطابع العلني لهذه المرحلة، يشير مراقبون ودبلوماسيون إلى أن تأثير هذه الجلسات على القرار النهائي يظل محدودًا، حيث إن عملية الاختيار الحاسمة تتم لاحقًا داخل مجلس الأمن الدولي، عبر مشاورات مغلقة واقتراعات سرية بين أعضائه.
ويظل للدول الخمس دائمة العضوية في المجلس دور حاسم في هذه العملية، نظرًا لامتلاكها حق النقض الذي يمكن أن يغيّر مسار الاختيار في أي مرحلة.

كما تناول المرشحون خلال مداخلاتهم مجموعة من القضايا الدولية العامة، حيث ركّزوا على أهمية تعزيز الثقة في منظمة الأمم المتحدة، وتطوير أدواتها في التعامل مع الأزمات، وتوسيع دورها في منع النزاعات قبل تفاقمها.
وفي الوقت نفسه، حرصوا على تقديم مواقف متوازنة تجاه الملفات الحساسة، بما في ذلك النزاعات المسلحة والأوضاع الإنسانية في بعض المناطق، دون الدخول في تفاصيل قد تُفسَّر كمواقف سياسية منحازة.
وتبقى خبرات المرشحين ومواقعهم السابقة داخل المنظومة الدولية عنصرًا مهمًا في تقييم فرصهم، في وقت تتواصل فيه المشاورات غير الرسمية داخل مجلس الأمن، وسط ترقب دبلوماسي لاحتمال دخول أسماء إضافية إلى المنافسة خلال المراحل المقبلة، قبل الوصول إلى التوافق النهائي على اسم الأمين العام الجديد.
ولا تُجرى عملية اختيار الأمين العام عبر اقتراع شعبي مباشر، بل تمر عبر مسار دبلوماسي من مرحلتين أساسيتين.
تبدأ المرحلة الأولى داخل مجلس الأمن الدولي، حيث يجري الأعضاء الخمسة عشر اقتراعات سرية تهدف إلى تصفية المرشحين، على أن يحصل المرشح النهائي على تسعة أصوات على الأقل دون استخدام حق النقض (الفيتو) من أي من الدول دائمة العضوية. ثم يُرفع الاسم المختار إلى الجمعية العامة التي تضم 193 دولة لاعتماده رسميًا.
وتكتسب دورة 2026 أهمية خاصة لاعتبارات متعددة، أبرزها تصاعد الضغط الدولي من أجل اختيار أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المنظمة، إلى جانب النقاشات المستمرة حول التوازن الجغرافي، مع دعوات متزايدة لأن يكون الأمين العام القادم من أمريكا اللاتينية أو أوقيانوسيا، ضمن مبدأ التناوب غير الرسمي المعتمد تاريخيًا.
أما الجدول الزمني المتوقع، فيشير إلى أن مرحلة الاقتراعات السرية داخل مجلس الأمن ستكثف في منتصف عام 2026، على أن يتم التوصل إلى الاسم النهائي خلال شهري أكتوبر أو نوفمبر، تمهيدًا لتسلم الأمين العام العاشر مهامه رسميًا في 1 يناير 2027.
المرشحون يشددون على السلام واستعادة الثقة بالأمم المتحدة
وقد أدلى المرشحون لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة الأسبوع الماضي بمواقف مؤيدة لتعزيز جهود المنظمة في مجال إحلال السلام، متجنبين في الوقت نفسه اتخاذ مواقف قاطعة من الأزمات الراهنة، قد تُغضب الدول التي ستقرر مصيرهم.
وتأمل كل من ميشيل باشليه من تشيلي ورافايل غروسي من الأرجنتين وريبيكا غرينسبان من كوستاريكا وماكي سال من السنغال، في خلافة أنطونيو غوتيريش في الأول من كانون الثاني/يناير 2027 عند انتهاء ولايته الثانية من خمس سنوات.
وأمضى كل مرشح ثلاث ساعات منذ أيام قليلة في الإجابة على أسئلة متنوعة من ممثلي الدول الأعضاء البالغ عددها 193، وممثلي المجتمع المدني.
وقال ريتشارد غوان من مجموعة الأزمات الدولية لوكالة فرانس برس إن الدبلوماسيين يشككون بجدوى الجلسات.
وأوضح أن الاعتقاد “على نطاق واسع هو أن الولايات المتحدة وغيرها من الدول التي تحظى بحق الفيتو في مجلس الأمن ستختار الفائز سرا، وستُقلل من دور الجمعية العامة في هذه العملية”.
وبدأت الجلسات التي أُطلق عليها اسم “الحوارات التفاعلية”، في عام 2016.

ولا يمكن للجمعية العامة التي تضم كل الدول الأعضاء، انتخاب الأمين العام إلا بناء على توصية مجلس الأمن، حيث تحظى الدول الخمس الدائمة العضوية، أي الولايات المتحدة والصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا، بحق النقض.
ووصف غوان معظم ما قاله المرشحون بأنه “نمطي”، معتبرا مع ذلك أنهم وجهوا بعض “الرسائل المهمة”.
وأضاف أن غروسي أكد “هشاشة الأمم المتحدة اليوم”، وبدا أكثر تصميما من غوتيربيش في ما يتعلق بالإصلاح.
وشدد جميع المرشحين على الحاجة المُلحة لاستعادة الثقة بالأمم المتحدة التي تُعاني من أزمة مالية حادة. كما أُثيرت تساؤلات حول جدوى عملها في عالم يواجه نزاعات مسلحة بمستوى لم يشهده منذ الحرب العالمية الثانية.
وقالت باشليه، الرئيسة السابقة للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، إن على الأمين العام للأمم المتحدة أن يتواجد “في الميدان” حيثما دعت الحاجة، وهو موقف تبناه أيضا غروسي.
واقترح سال، الرئيس السابق للسنغال، “دورا جديدا” للمنظمة لكي “تستعيد مكانتها على الساحة الدولية”.
ويتهم بعض المراقبين غوتيريش بعدم التدخل المباشر للتأثير على الصراعات، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط.
وقالت غرينسبان إن على الأمين العام المقبل للأمم المتحدة “أن يغامر”، مبدية أسفها لأن المنظمة أصبحت “منظمة متحفظة في مواجهة الأخطار”.
وأضافت غرينسبان التي تتولى رئاسة وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، “لا تفشل الأمم المتحدة إلا عندما لا نحاول، يجب أن نحاول”.
تحيّن الفرصة
أقرّ المرشحون بالترابط بين ركائز الأمم المتحدة الثلاث، السلام وحقوق الإنسان والتنمية، مع تأكيد الدور المحوري للمنظمة في دعم الأولى.
وقد دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأمم المتحدة إلى العودة إلى “مهمتها الأصلية” في تحقيق السلام.
وتناولت أسئلة قليلة جدا نزاعات محددة، وتجنّب المرشحون في الغالب الإجابة بشكل مباشر واختاروا التذكير بالتزامهم بميثاق الأمم المتحدة.
وعند سؤالها عن غزة، دعت غرينسبان إلى دخول المساعدات الإنسانية “دون قيود”، وعبرت عن دعمها لحل طويل الأمد يقوم على دولتين فلسطينية وإسرائيلية تعيشان جنبا إلى جنب في “سلام وأمن”.
وسلط سال الضوء على “المأساة الإنسانية” في هذا الصراع.
وسيكون لمواقف المرشحين وقراراتهم السابقة تأثير في الخيار النهائي.
ودعا مشرّعون جمهوريون واشنطن إلى منع اختيار باشليه بسبب دفاعها عن حقوق الإجهاض.
ويُعنى غروسي، مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بقضايا حساسة كالبرنامج النووي الإيراني.
ولا يزال الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن يلتزمون الصمت حيال توجههم، كما أن أسماء أخرى مرشحة قد تظهر في المراحل المقبلة. والجدير ذكره أن المرشحين لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة يكونون من خارج الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن .
وقال غوان “أعتقد أن هناك عددا لا بأس به… ما زالوا يترقّبون ويراقبون تطوّر الأمور قبل إعلان ترشّحهم”.
( وكالات )
