جديد 4E

  • ...

آخر الأخبار

المياه عصب الاقتصاد .. والانزياح السكاني أصبح باتجاه المناطق الأكثر وفرة للمياه وهي معادلة جديدة ومؤلمة

 

اقتصاد المياه

كتبه د.عامر خربوطلي :

 

(و جعلنا من الماء كل شيء حي ) صدق الله العظيم

المياه حديث الناس وشاغلها ليس في سورية والمنطقة بل في أغلب بلدان العالم وحتى الغنية نسبياً بالمياه ورغم أن المياه ثروة تعتبر بالأصل متجددة وغير ناضبة كما باقي الثروات الدفينة إلا إنها شديدة التأثر بالعوامل المناخية وأحوال الطقس، بالإضافة للاستجرار غير المدروس للمياه الجوفية.

الأمر حتى الآن معروف وغير جديد إلا أن تأثر الاقتصاد بموضوع المياه هو الذي يبدو جديداً، فالمياه هي أحد أهم احتياجات الإنسان الأساسية ولا غنى عنها في جميع الأنشطة الاقتصادية وتبدأ بالزراعة بشقيها النباتي والحيواني ولا تنتهي بقطاعات الصناعة التحويلية والاستخراجية بل تمتد لمشاريع المرافق العامة والبنية التحتية والمراكز التجارية والسياحية والترفيهية والقائمة تطول…

سورية أحد الدول التي تُصنف أصلاً من الدول الجافة نسبياً من الناحية المائية رغم وجود عدة أنهار محلية واخرى دولية تجري في أراضيها، إلا أن تذبذب هطولات الأمطار بين سنة وأخرى وحدوث أزمات جفاف متكررة على حساب سنوات مطيرة قليلة للأسف جعل من مشكلة المياه في سورية هاجسا اساسيا ومن أولويات العمل الاقتصادي والتنموي وبخاصة عند التخطيط لإقامة الضواحي السكنية والمدن الصناعية والتوسعات العمرانية المختلفة.

المسألة لم تعد شيئاً عارضاً فالجفاف يزداد وخاصة في المناطق التي كانت تُصنف زراعياً من مناطق الاستقرار  الأولى والثانية من ناحية الامطار الشتوية فما بالنا بمناطق الاستقرار الثالثة والرابعة والتي لم تعد تجد نفعاً لزراعة المحاصيل الاستراتيجية وفي مقدمتها القمح فما بالنا بالقطن الذي كان يضم سلسلة قيم مضافة تبدأ من الزراعة الى تصدير الالبسة القطنية مرورا بالحلج والغزل والنسج والحياكة وكانت وفق دراسات معمقة تغني سورية عن انتاج البترول من هذه الثروة فقط فكيف ونحن اليوم بدأنا نستورد القطن و الغزول ؟!!!

انها مفارقات مؤلمة و صادمة..

الانزياح السكاني أصبح اليوم داخل الجغرافيا السورية وحتى داخل المدن والأحياء باتجاه المناطق الأكثر وفرة للمياه وهي معادلة جديدة ومؤلمة بعدما كانت الهجرة الداخلية بدافع فرص العمل وهذا ما يسبب مشاكل اقتصادية واجتماعية لا حدود لها فمناطق واسعة أصبحت فارغة من السكان وأخرى مكتظة لدرجة الاختناق.

سورية دولة تُصنف أساساً دولة زراعية- تجارية- صناعية بالترتيب وفق ما كانت تساهم هذه القطاعات بالناتج المحلي الإجمالي، أما اليوم فالانزياحات كبيرة ليست فقط بسبب المياه بل بسبب الخدمات شبه المعدومة في المناطق البعيدة عن مراكز المدن والمحافظات وحتى بين المحافظات نفسها.

القضية لم تعد تحتمل التأجيل وتحتاج لإعادة دراسة الخارطة المائية السورية بشكل يتماشى تماماً مع الخارطة الاستثمارية والتنموية والسكانية مع دراسة جميع البدائل للاستفادة من المياه في سنوات الوفرة والغزارة المطرية والثلجية ليس فقط على صعيد اقامة سدود سطحية قليلة التبخر بل في الحلول والابتكارات العالمية في هذا المجال وهي كثيرة …

خلال السنوات الأربعين الماضية على أقل تقدير شهدنا شح مئات الينابيع  وجفافها و حتى اختفائها وتناقص غزارة عشرات الأنهار وتناقص في المساحات الزراعية المروية فما بالنا بالأراضي البعلية بالإضافة لتراجع الغطاء النباتي الذي يساهم عادة بزيادة الهطل المطري وتخفيف زحف الجفاف والتصحر وهذا ما أثر ويؤثر بصورة مباشرة في الحصيلة الاقتصادية من  الثروات والاغلال الزراعية لمختلف  المناطق السورية التي كانت مزدهرة في وقت ما زراعياً وصناعياً وحرفياً وسياحياً  وتحولها تدريجيا إلى مناطق خاوية على عروشها والأمثلة كثيرة تبدأ من غوطة دمشق التي أصبحت صحراء سكنية قاحلة ولا تنتهي بالمناطق الشمالية الشرقية من سورية بل تمر عبر مدن أصبحت منسية سياحياً وزراعيا  في منطقة القلمون التي كانت تذخر بالينابيع وحتى الأنهار القصيرة.

المياه عصب الاقتصاد ولا أنشطة اقتصاية ناجحة وبنية تحتية متطورة دون رافد مائي مستدام….

العيادة الاقتصادية السوريةحديث الأربعاء الاقتصادي رقم /311/

دمشق في 13 آب 2025م

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.