جديد 4E

  • ...

لا خيار لسورية إلا بالاقتصاد الحر والملكية الخاصة والمبادرة الفردية .. وعلينا استلهام خطط المستقبل المشرق من نجاحات التاريخ

 

 

التاريخ له كلمة

 

كتبه د.عامر خربوطلي :

في حديث لمثقف عربي بارز تحدث في إشارة مهمة لأهمية دراسة التاريخ والتعمق به أن أحد الرؤساء الامريكيين الأوائل ندم لأن الدستور الأميركي لم يضع شرطاً في الترشح لهذا المنصب بأن يكون دارساً للتاريخ بعمق لأن التاريخ هو الدروس المستفادة لتشكيل المستقبل ..

التاريخ الاقتصادي دوماً له كلمة وعندما تشكلت الدولة السورية الأولى قبيل الانتداب الفرنسي كانت التجارة تتركز في المدن الكبرى مع بعض الحرف والمهن والزراعة في الأرياف وحول المدن وهي الصفة الغالبة ولم يكن من السهولة البدء بمشوار في الصناعة الحديثة لأن أغلب الورشات كان يغلب عليها الطابع الحرفي أو الميكانيكي البسيط حتى جاء أواخر عشرينات القرن

الماضي عندما تنادى مجموعة من تجار دمشق من البرجوازية الوطنية المشهود لها بالخبرة والمغامرة المدروسة لإقامة معمل اسمنت دمر الذي عرف لاحقاً بمعمل (الشمينتو)  والذي مازالت شواهده ماثلة حتى الآن في منطقة دمر (قرب دمشق) وكان على شكل شركة مساهمة خاصة واستخدم الطريقة الرطبة في  إنتاج الأسمنت وهي أول طريقة صناعية حديثة آنذاك لتحويل الحجر الجيري المتوفر في الهضاب المحاذية لمكان المعمل ولبى المعمل آنذاك حاجة سورية الناشئة لمادة الأسمنت في العمارة والبناء الحديث…

وتكررت هذه التجربة في صناعات أخرى في حلب وباقي المدن السورية الرئيسية…

و لأن الشعب السوري شعب تجاري محنك منذ القدم فقد رأى في الصناعة مجالاً كبيراً لمضاعفة القيمة وتحسين المنفعة وتحقيق الأرباح والمساهمة في توفير السلع التي يحتاجها السوق المحلية وكانت تستورد من الخارج بكثرة .

و لطالما قيل أن العديد من أصحاب الورشات المعدنية لخراطة المعادن وسكبها والتي كان يسمى محترفوها (الطورنجي) قد تحولوا لاحقاً إلى أصحاب مصانع حديثة تعمل بالآلات الميكانيكية والكهربائية البسيطة وكان فك الآلات والأجهزة المستوردة ومعرفة أسرار تصنيعها ومن ثم محاولة تقليدها هي الغالب في تلك المرحلة، وعندما استطاعت  سورية نيل استقلالها المنقوص عام 1941 و جلاء آخر جندي فرنسي في منتصف أربعينات القرن الماضي كان ذلك صافرة الانطلاق للصناعة السورية الجديدة فكانت معامل الغزل والنسيج والأقمشة والالبسة والكونسروة والأجبان والألبان والمجففات والزيوت والبرادات والغسالات والأفران و القائمة تطول….

صاحب هذه  الفترة الذهبية التي امتدت لأكثر من عشر سنوات قوانين وتشريعات دعمت الصناعة الناشئة، وقوانين شجعت إنشاء الشركات المساهمة الخاصة والعامة المغفلة التي طرحت أسهمها للاكتتاب العام فتوالت الشركات وازداد التصدير وأشبعت السوق المحلية بالسلع والبضائع وحقق معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي أكبر معدل له في تاريخه وصل لحدود ١٠% و أضحى الدخل الفردي من أقوى دخول الدول العربية انذاك دون أن تدخل الاكتشافات النفطية لاحقاً في أقصى شمال شرق سورية في كراتشوك والرميلان والسويدية ..

كانت نزعة الملكية الخاصة والعمل الحر والمنافسة هي السائدة انذاك ولم يكن احد يجرؤ على تخوين القطاع الخاص بأنه مصاص دماء أو استغلالي أو متسلط أو رجعي وإلى ما هنالك من صفات خبيثة الصقت به جوراً وبهتاناً في فترة التأميم والمصادرة والأحكام العرفية .

تهاوت بعدها الصناعة السورية الخاصة ولم تنجح محاولات انعاشها  ولم تفلح محاولات تشجيع إنشاء الشركات المساهمة التي قُتلت بدم بارد بقوانين التأميم والمصادرة ولم تستطع الشركات العامة التي أقيمت على رفات الشركات المؤممة أو التي أقامتها الحكومات المتعاقبة في بناء قاعدة صناعية سورية مرموقة قال عنها احد أعمدة الاقتصاد السوري أُستاذي في مرحلة دبلوم الدراسات العليا في التحليل الاقتصادي عام ١٩٩٠ الدكتور محمد العمادي رحمه الله أن مسار الصناعة السورية لو تُرك لينمو ويتطور كما أراد روادها الأوائل لأصبحت سورية (يابان الشرق) لأنها امتلكت جميع المعارف والخبرات والمواد والمستلزمات والعلاقات الخارجية والمهارات التجارية والمهنية وبناء الشراكات والتحالفات…

قراءة التاريخ مهمة لتمتين العقل الجمعي بأن لا خيار لسورية اقتصادياً إلا بالاقتصاد  الحر والملكية الخاصة والمبادرة الفردية ولا جدوى من إعادة انعاش الملكيات العامة المتهالكة والبعيدة عن جميع معايير الجدوى الاقتصادية التي عرفها أجدادنا وخبروها عندما أقاموا شركاتهم ومؤسساتهم حتى الصغيرة والمتوسطة إضافة للكبيرة المساهمة عندما لم يعتمدوا على طاقات إنتاجية كبيرة لأسواق صغيرة ولم يحدثوا صناعات لا مواد أولية لها ولم يغامروا بصناعات لا تتوفر لها الأيدي العاملة الخبيرة المدربة ولم يوطنوا صناعات في أماكن نائية وبعيدة عن المواد الخام الأولية وعن أسواق التصريف المحلية والخارجية إنها اقتصاديات الصناعة والحجم الكبير، وإنها اقتصاديات النقل والشحن و سلاسل الإمداد …إنها المعرفة الفطرية والعملية بطرق النجاح والتفوق..

سوريا الجديدة المتجددة تحتاج لاستنهاض واستيلاد  قصص التاريخ الناجحة لتكون أفكاراً ملهمة لمستقبل جديد تكون الصناعة محوره و التجارة لولبه والزراعة خزانه الذي لا ينضب …

التاريخ دوما له كلمة و هو الذي يجب أن نستلهم من نجاحاته خطط المستقبل المشرق…

 حديث الأربعاء الاقتصادي رقم /306/

مع تحيات العيادة الاقتصادية السورية

دمشق في 9 تموز 2025م

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.