هل تنفعنا دعابة كينز عن الحفر والردم وكيف يمكننا تحسين الناتج والأوضاع المعيشية ..؟

الدكتور عامر خربوطلي

عندما حدثت أزمة الكساد العالمي الكبير منذ عام 1929 والتي أدت إلى تراجع هائل في المبيعات نتيجة تراجع الطلب الفردي بشكل غير مسبوق، خرج منظر الاقتصاد الأهم (اللورد كينز) بدعابة ولكنها شديدة العمق والدلالة، حيث قال إن تحريك الطلب وتحويله لطلب فعّال يشتري السلع الراكدة على الرفوف يتطلب على الحكومات التدخل المباشر ولو كلفها ذلك أن تأتي بعمال يقومون بحفريات ويأخذون نقوداً عليها ويأتي آخرون بردم هذه الحفر ويأخذون نقوداً أيضاً دون أن يكون لهذا العمل أي مردود إنتاجي مباشر!!.

ماذا يعني هذا الكلام؟ إنه يعني بكل بساطة أن الأسواق بدون أموال كالبحيرات الفارغة من المياه حيث لا حياة ولا أسماك.

لماذا الحديث عن هذا الموضوع في هذا الوقت!!

الجميع يدرك أن وضع الأسواق السورية في أسوأ أحوالها من ناحية تراجع المبيعات والركود الواضح على أغلب السلع وحتى الأساسية منها بشكلٍ أو بآخر نتيجة عدم قدرة الدخول الفردية الضعيفة عن شراء هذه السلع …

فهل الحل هو بما جاء به (كينز) بفكرته المبتكرة أم في شيء آخر جديد، وهل ما يعاني به الاقتصاد السوري هو ركود فقط أم أنه (ركود تضخمي) أي تمازج ضعف المبيعات وتراجعها مع ارتفاع غير مسبوق في الأسعار وهو بذلك يعاكس مبدأً بدائياً بسيطاً وهو أن زيادة العرض يؤدي عادةً إلى انخفاض الأسعار لا ارتفاعها !!

لنرى كيف عالجت النظريات والأدبيات الاقتصادية هذه المشكلة المزدوجة.

الركود التضخمي هو حالة تراجع في النمو الاقتصادي يصاحبها بطالة عالية وتضخم. تحدث هذه الحالة عندما لا يكون هناك نمو في الاقتصاد ولكن يكون هناك ارتفاع في الأسعار بنفس الوقت وهذا ما يخالف عادةً القواعد الاقتصادية المعروفة، وتعتبر حالة غير مرغوب فيها.

ظهر مصطلح الركود التضخمي (والذي يعبر عن حالة الركود المترافق بارتفاع الأسعار) لأول مرة خلال فترة التضخم والبطالة في المملكة المتحدة حيث شهدت حالة التضخم في الستينيات والسبعينيات إذ ارتفع معدل التضخم وفشل صناع السياسة في الاعتراف بالدور الأساسي للسياسة النقدية في السيطرة على التضخم وحاولوا بدلاً من ذلك استخدام السياسات والأجهزة غير النقدية للاستجابة للأزمة الاقتصادية وقد أجرى صناع السياسات تقديرات غير دقيقة لدرجة الطلب في الاقتصاد مما ساهم في ارتفاع التضخم في المملكة المتحدة بشكل كبير خلال تلك الفترة.

لم يقتصر الركود التضخمي على المملكة المتحدة. حيث أظهر علماء الاقتصاد أن الركود التضخمي كان منتشراً بين سبعة نظم اقتصادية رئيسية من عام 1973 وحتى 1982 تحول تركيز علماء الاقتصاد بعد أن بدأت معدلات التضخم في الانخفاض عام 1982 من أسباب الركود التضخمي إلى نمو الإنتاجية وتأثير الأجور الحقيقية وعلى الطلب على العمالة.

ويقدم علماء الاقتصاد تفسيرين رئيسيين لسبب حدوث التضخم الركودي:

أولاً: عندما يواجه الاقتصاد صدمة العرض مثل الزيادة السريعة في أسعار النفط حيث يرفع هذا الوضع الأسعار في نفس الوقت الذي يبطئ فيه النمو الاقتصادي ويجعل الإنتاج أكثر تكلفة وأقل ربحية.

ثانياً: إذا سلكت الحكومات سياسات تضر بالصناعة بينما تزيد المعروض النقدي بسرعة كبيرة ربما يجب ان يحدث هذان الشيئان في وقت واحد لأن السياسات التي تبطئ النمو الاقتصادي لا تتسبب عادةً بالتضخم والسياسات التي تسبب التضخم لا تؤدي عادةً إلى إبطاء النمو الاقتصادي.

تجاهل العديد من علماء الاقتصاد الكينزيين حتى الستينيات إمكانية حدوث الركود التضخمي، لأن التجربة التاريخية أشارت إلى أن ارتفاع معدل البطالة كان مرتبطاً عادةً بتضخم منخفض والعكس صحيح (تسمى هذه العلاقة منحنى فيليبس) كانت الفكرة أن ارتفاع الطلب على السلع يرفع الأسعار ويشجع الشركات على توظيف المزيد من العمالة وبالمثل فإن ارتفاع العمالة يزيد من الطلب ومع ذلك أصبح من الواضح في السبعينيات والثمانينيات عندما حدث ركود تضخمي أن العلاقة بين التضخم ومستويات التوظيف لم تكن مستقرة بالضرورة أي أن علاقة فيليبس يمكن أن تتغير. أصبح علماء الاقتصاد الكلي أكثر تشكيكاً في النظريات الكينزية وأعاد رواد النظرية الكينزية النظر في أفكارهم بحثاً عن تفسير للركود التضخمي.

ميزت النظرية الكينزية الجديدة بين نوعين مختلفين من التضخم: سحب الطلب (الناجم عن تغيرات منحنى الطلب الكلي) ودفع التكلفة (بسبب تغيرات منحنى العرض الكلي) ومن هذا المنظور فإن تضخم الكساد ناتج عن تضخم دفع التكلفة أي أن ارتفاع الأسعار ينجم عن ارتفاع تكاليف المواد والمستلزمات أكثر من كونه ناتج عن زيادة الطلب.

يحدث تضخم دفع التكلفة عندما ترفع الظروف من تكاليف الإنتاج ويمكن أن يحدث ذلك بسبب السياسات الحكومية (مثل زيادة الضرائب والرسوم) أو بسبب عوامل خارجية بحتة مثل نقص الموارد الطبيعية أو الحرب أو الأزمات.

ينتج الركود التضخمي في حالة ندرة الموارد عندما يُعرقل النمو الاقتصادي بسبب تقييد عرض المواد الخام أو ضعف إنسيابها، أي عندما ينخفض العرض الفعلي أو النسبي للمواد الأساسية (الوقود الأحفوري والمعادن والأراضي الزراعية في مجال الإنتاج والأخشاب وما إلى ذلك) أو في حال عدم القدرة على زيادته بالسرعة الكافية استجابةً للطلب المتزايد أو المستمر. قد يكون نقص الموارد نقصاً مادياً حقيقياً أو ندرة نسبية بسبب عوامل مثل الضرائب أو السياسة النقدية السيئة التي تؤثر على التكلفة أو توفر المواد الخام. ويتسق ذلك مع عوامل التضخم التي تزيد التكلفة في النظرية الكينزية الجديدة. والطريقة التي تجري بها تلك العمليات: يحاول الاقتصاد الحفاظ على زخمه بعد حدوث صدمة العرض، أي يبدأ المستهلكون والشركات في دفع أسعار أعلى للحفاظ على ثبات مستوى الطلب لديهم وقد يزيد البنك المركزي من تفاقم الحالة عن طريق زيادة المعروض النقدي من خلال خفض أسعار الفائدة في محاولة لمكافحة الركود ويدعم العرض النقدي المتزايد الطلب على السلع والخدمات على الرغم من أن الطلب ينخفض عادةً خلال فترة الركود.

وبسبب ارتفاع الأسعار في النموذج الكينزي وزيادة المعروض من السلع والخدمات ولكن لا تستجيب الموارد خلال صدمة العرض (أي ندرة الموارد) كما تستجيب عادةً لضغوط الأسعار هذه. لذا يقفز التضخم وينخفض الإنتاج ما ينتج عنه الركود التضخمي.

ما يهمنا بعد هذا العرض العلمي لتفسير هذه الظاهرة الغريبة والمعقدة والبعيدة عن صفات الاقتصاد السوري النمطية، ويبدو أن أولى المنعكسات الاقتصادية للأزمة التي مرّ بها هذا الاقتصاد هو (الركود التضخمي) والذي أدى لأسواق ممتلئة لا تجد من يشتري منها، فهل ينفع ما قاله (كينز) بعملية الحفر والردم ومنح الأجور بصورة اعتباطية، من المؤكد أن هذه العملية لا تجدي نفعاً لأنها ستزيد من التضخم وترفعه إذا لم تكن الأجور مدفوعة من قبل موارد إنتاجية حقيقية، وهنا لابد من إطلاق عملية واسعة من عمليات الحفر الفعّالة من خلال أعمال حقيقية وسريعة المردود وذات قيم مضافة عالية.

فالحل هو زيادة الإنفاق الحكومي والبدء بمشاريع كبيرة ذات انعكاس واضح على النمو الاقتصادي وعلى تحسين بيئة الأعمال الجديدة ومن ثم تعزيز إنشاء الشركات والأعمال الخاصة وتخفيض الفوائد لزيادة حصة الاستهلاك من الدخل وتخفيض الادخار والتخلص من الاكتناز المضر ومنح إعفاءات ضريبية مجزية لتعزيز الاستهلاك المحابي للنمو الاقتصادي.

ضمن هذه الإجراءات سيعود التوازن نسبياً ما بين تدفقات الطلب (الكتلة النقدية) وما بين تدفقات العرض (الكتلة السلعية) ويتحسن الناتج المحلي الإجمالي وترتفع مستويات المعيشة.

حديث الأربعاء الاقتصادي رقم (123) – (الحفر الفعّال)

دمشق في 31/3/2021.

العيادة الاقتصادية السورية

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

+ 82 = 83