حديث الاربعاء الاقتصادي رقم ( ٣٥٩ )
مكافحة الفقر

كتبه الدكتور – عامر محمد وجيه خربوطلي :
تتعالى الاصوات ترتفع الصيحات وتتوالى الافكار وتزدحم البرامج على أعلى المستويات في سوريا الجديدة، والهدف هذه المرة محاربة الفقر في سوريا بعد ان وصل للأسف لمستويات غير مسبوقة وأضحى خطرا على السلم الاجتماعي والاقتصادي لذلك تنادي الحكومة وعلى أعلى المستويات لوضع خطة استراتيجية متكاملة تشترك فيها أغلب الوزارات و تقودها وزارة المالية، وحسب تصريحات السيد وزير المالية النشيط والمتمكن وصاحب الرؤية الوطنية والمالية والاقتصادية الاجتماعية الواضحة، انه بغضون السنوات القليلة القادمة سيتم خفض نسبة الفقر السوري من ٧٠% حاليا إلى ٢٥ %ومن ثم إلى ١٥ % ضمن حزمة متكاملة من الاستهدافات والبرامج الكفيلة بالتشغيل والعمالة والمشروعات والتمكين الاقتصادي والامان الاجتماعي على كامل الجغرافية السورية .
انه رهان سوريا المستقبلي لإعادة الاعتبار للطبقة الوسطى التي اضمحلت على حساب طبقة الفقراء التي ازدادت لأسباب عديدة …
مكافحة الفقر هي أحد التحديات الكبرى التي تواجه البشرية عموما وليس في دول محددة فقط ومنها سوريا، وهي عملية متعددة الأبعاد تتطلب استراتيجيات تكاملية.
وهناك على مستوى العالم مجموعة من الركائز والأساليب الفعالة المستخدمة في محاربة الفقر يمكن لسوريا الجديدة الاستفادة منها على الاقل، ومنها على سبيل المثال :
تعزيز النمو الاقتصادي الشامل اذ لا يكفي أن ينمو الاقتصاد فحسب، بل يجب أن يكون هذا النمو شاملاً للجميع وتتوزع عوائده بصورة عادلة قطاعيا ومناطقيا واجتماعيا . وذلك بخلق فرص عمل مناسبة ذات أجور مجزية.
بالإضافة لدعم المشاريع متناهية الصغر والصغيرة، لأنها العمود الفقري لاقتصاديات الدولة التي تعاني من مستويات فقر مرتفعة ومنها سوريا في الوقت الحالي .
ايضا هناك التركيز في الاستثمار على البنية التحتية في المناطق الريفية والمناطق المهمشة لربطها بالأسواق وبالاقتصاد المحلي ومن ثم الوطني والكلي.
اما الامر الاخر من الركائز المطلوبة فتتمثل في توفير الحماية الاجتماعية حيث تحتاج الفئات الأكثر ضعفاً وتهميشاً وهشاشة مثل ( كبار السن، ذوي الإعاقة، الأسر أحادية الوالد ) إلى شبكة أمان تحميهم من الوقوع في براثن الفقر المدقع .
بالإضافة الى برامج التحويلات النقدية المشروطة: مثل تقديم مساعدات نقدية للأسر الفقيرة بشرط إرسال أطفالها إلى المدارس وإجراء الفحوصات الصحية على سبيل المثال . وقد أثبتت هذه البرامج نجاحاً كبيراً في العديد من البلدان.
والعمل على توفير التأمين الصحي الشامل لأن النفقات الصحية المفاجئة للأسف هي أحد الأسباب الرئيسية لانزلاق الأسر إلى دائرة الفقر المؤلم .
ومن الركائز المطلوبة ايضا الاستثمار في رأس المال البشري من خلال كسر حلقة الفقر المفرغة (الفقر يولد الجهل، والجهل يولد الفقر) وهذا ما يتطلب عادة التعليم الجيد المؤهل لسوق العمل بكفاءة و بخاصة للفتيات .
والصحة والتغذية: لضمان القدرات الإدراكية والإنتاجية.
التركيز على التمكين وليس الإغاثة الدائمة لضمان تحويل المستفيدين من متلقين للمساعدات إلى منتجين فاعلين اقتصاديا واجتماعيا وحتى ثقافيا .
و العمل على ربط التدريب باحتياجات سوق العمل الفعلية.
اما التمويل الأصغر (Microfinance) فهو الذي يحقق فارق النجاح الكبير في محاربة الفقر عبر تقديم قروض صغيرة وشروط ميسرة للأشخاص الذين لا يملكون ضمانات للاقتراض من المصارف التقليدية، لتمكينهم من بدء مشاريعهم الخاصة.
وهناك ركيزة مهمة تتعلق بتمكين الطبقات الفقيرة من الوصول إلى الإنترنت والخدمات الرقمية مما يفتح أمامها آفاقاً جديدة للتعليم والعمل.
وهناك ركائز أخرى قد تكون غير مباشرة ولكنها مؤثرة ومهمة تتعلق بالحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد .لان الفقر يتغذى على الفساد. عندما تُسرق الموارد العامة، فإن أفقر الناس هم من يدفعون الثمن.
بالإضافة الى الشفافية في تخصيص الميزانيات حيث تعبر عن ضمان وصول الدعم الحكومي إلى مستحقيه الفعليين وليس إلى الوسطاء أو الأغنياء.
اخيرا تلعب المرأة والأسرة المنتجة في الريف و المدينة دوراً محورياً في محاربة الفقر. عندما تتحسن أوضاع المرأة الاقتصادية (من خلال التعليم والميراث وحقوق العمل) فإنها تستثمر نسبة أكبر من دخلها في صحة وتعليم أطفالها مقارنة بالرجل، مما يساهم في تحسين الأجيال القادمة.
هذه المرتكزات هي في الشكل العمومي على مستوى الدول التي تعاني من الفقر اما ما يخص سوريا فيضاف لها مرتكزات تتعلق بالخصوصية السورية منها ما يتعلق بتوجيه أموال الزكاة والصدقات وحتى التبرعات وأموال الجمعيات الخيرية والتنموية والأهلية لتكون في صلب برامج محاربة الفقر على المستوى الاستراتيجي كل في مجاله ودوره ولا ننسى المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص السوري من أفراد و شركات ليكونوا داعمين لسياسة وإجراءات محاربة الفقر لان التحول المطلوب وفق النسب المستهدفة ستفيد الجميع وتعيد الاستقرار للأسواق وتحد من حالة الركود التضخمي الذي هو أحد اهم أهداف السياسة الاقتصادية الفعالة .
دمشق في ٢٥/٣/٢٠٢٦
مع تحيات العيادة الاقتصادية
