كيف نُدير إمكاناتنا الاقتصادية لخدمة أهداف الدولة أمام مرحلة دقيقة لا بد من ولوجها بأكبر قدر من اليقظة والفاعلية ..؟
الاقتصاد الاستراتيجي

كتبه الدكتور عامر محمد وجيه خربوطلي:
المنطقة والاقليم بمجمله يغلي فوق صفيح ساخن والاحداث تتسارع وسلاسل الامداد تتضرر وتكاليف الشحن والنقل والتأمين تقفز لمستويات غير مسبوقة واسعار الطاقة في ارتفاع مع انقطاعات على مستوى أغلب دول العالم .
قد تستطيع دول عديدة مواجهة منعكسات الحرب الدائرة لأيام و يمكن لأسابيع من الناحية الاقتصادية الا ان تضرر قطاع التجارة والصناعة والخدمات سيكون اسرع من قدرة التحمل هذه بفعل الترابطات الامامية والخلفية لأغلب هذه القطاعات وارتباطها جميعها مع الطاقة والمواد الخام وحركة النقل والانتقال للأفراد والبضائع ..
قديما كان يتم التحدث عن مصطلحات الزراعات والصناعات الاستراتيجية ومصطلح المخزون الاستراتيجي من السلع و المواد و حتى الاموال وجميع هذه المصطلحات بددتها مفاعيل العولمة وسهولة عمليات الاستيراد والتصدير والنقل والشحن بدون قيود أو حواجز أو عراقيل إلى أن جاءت موجة العقوبات والحظر والتقييد وارتفاع تكاليف وأعباء محاولات الالتفاف عليها مما أدى لارتفاع أسعار السلع والمواد والطاقة وصعوبات توريدها بشكل متواتر كما هو معروف على مستوى الأداء الانتاجي المطلوب ..
الاقتصاد الاستراتيجي أصبح حاجة ملحة لجميع الدول التي تعيش في دوامة الصراعات الإقليمية والدولية وبالتأكيد سوريا تبقى في عين العاصفة ايضا . الاقتصاد الاستراتيجي بالمفهوم هو مجال واسع يركز على استخدام الموارد الاقتصادية والقرارات المالية لتحقيق أهداف طويلة الأجل تتعلق بالأمن القومي، والنفوذ الدولي، والتنمية المستدامة، وليس فقط لتحقيق العائد المباشر.
يرتكز هذا المفهوم على تعزيز القدرة المستدامة والمحركة لقطاعات انتاجية وخدمية عالية القيمة والمؤمنة استمرار العمل الاقتصادي دون انقطاعات مضرة ومكلفة .
و هو يرتكز اي الاقتصاد الاستراتيجي على روافع و حوامل مهمة و منها :
كأداة للقوة الوطنية عبر مفهوم او مصطلح (الجيواقتصاد).
و في هذا الإطار، تُستخدم الأدوات الاقتصادية لتعزيز مكانة الدولة في النظام الدولي. يشمل ذلك عادة .
استخدام العقوبات الاقتصادية كبديل أو مكمل للقوة العسكرية للضغط على الدول الأخرى.
التحالفات التجارية مثل عقد اتفاقيات تجارية لبناء تكتلات اقتصادية تدعم النفوذ السياسي.
سلاسل التوريد من خلال تأمين الوصول إلى الموارد الحيوية (مثل الطاقة والمعادن النادرة) وتقليل الاعتماد على الدول المنافسة.
المرتكز الثاني يتعلق في التخطيط للتنمية الوطنية. وهو ما يهم الاقتصاد السوري في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة ليس بفعل الاحداث الجارية فقط بل بفعل ولادته الجديدة من رحم سنوات من العزلة و الانكفاء و التراجع الشديد .
و هو يتمثل في نهج محدد استراتيجي تتبعه الحكومات لتوجيه الاقتصاد نحو أهداف محددة، مثل تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على مصدر واحد للدخل (مثل النفط) او الزراعة او الصناعات الاستهلاكية الخفيفة من خلال بناء قطاعات استراتيجية جديدة (مثل التكنولوجيا أو السياحة أو حتى الخدمات المالية).
بالإضافة الى تحقيق الأمن الغذائي أو الدوائي من خلال دعم الزراعات والصناعات المحلية في القطاعات الحيوية ذات الميزات النسبية لتقليل الاعتماد على الخارج ما أمكن ذلك .
وعلى مستوى الاقتصاد الجزئي أو الشركات فان الاقتصاد الاستراتيجي يعني اتخاذ قرارات مالية تدعم التفوق التنافسي على المدى البعيد.
مثل عمليات الاندماج والاستحواذ للسيطرة على السوق أو الدخول في مجالات جديدة. والاستثمار في البحث والتطوير للحفاظ على الريادة التكنولوجية.
و لكي يكون الاقتصاد الاستراتيجي فاعلا و مؤثرا لابد من توفر قواعد اساسية له من بينها السيادة الوطنية عبر السيطرة على الأصول والمقدرات الاقتصادية الحيوية.
والاستباقية من خلال التخطيط للمستقبل وتوقع المخاطر بدلاً من التفاعل معها فقط.
والمرونة من خلال بناء اقتصاد قادر على الصمود في وجه الصدمات الخارجية (مثل الحروب أو الأوبئة)
الاقتصاد الاستراتيجي باختصار هو فن وعلم إدارة الإمكانات الاقتصادية لخدمة الأهداف الكبرى للدولة أو المؤسسة في بيئة تنافسية ومتغيرة.
الاقتصاد السوري يجب أن يتوجه نحو الاستراتيجية و البعد الزمني والأهدافي المحدد والمؤطر ضمن الإمكانيات المتاحة المرحلية والمستقبلية كي لا يقع في أزمات نقص المواد أو الطاقة أو مستلزمات الإنتاج ..
انها مرحلة دقيقة تعيشها المنطقة ولابد من ولوجها بأكبر قدر من اليقظة و الفاعلية ..
دمشق في ٤ آذار /٢٠٢٦
حديث الاربعاء الاقتصادي رقم ( ٣٥٥ ) مع تحيات العيادة الاقتصادية السورية
