علي محمود جديد
خطوة رائعة وراقية وذات سمعةٍ حسنة، هي تلك التي أعلن عنها السيد وزير المالية، وهي إطلاق موازنة المواطن، التي تُعبّر جديّاً عن الشفافية التي يبدو أن الحكومة جادة في اتباعها والتمسك بها رغم كل العثرات التي يمكن أن تواجه العمل الحكومي، لأن إطلاق هذه الموازنة يؤشّر إلى جرأةٍ حكومية لا يرقى إليها الشك.
فموازنة المواطن هي إحدى المعايير الدولية لشفافية الموازنة العامة للدولة تبعا لمعايير ” شراكة الموازنات العالمية IBP ” التي تُعتبر منظمة دولية غير ربحية، مقرها واشنطن، كما أنّها أي ( IBP ) بمثابة المرجع العالمي الأول في مراقبة وتحسين جودة الموازنات الحكومية من حيث الشفافية والمساءلة، وهي تعمل بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني، والخبراء الاقتصاديين، والحكومات في أكثر من 120 دولة حول العالم. هدفها الأساسي هو ضمان أن يتم إنفاق الأموال العامة (أموال الضرائب والموارد) بعدالة وشفافية وبما يخدم احتياجات المواطنين، خاصة الفئات الأكثر احتياجاً.
وهذه المنظمة تؤمن بأن السرية في الأرقام هي البيئة المثالية للفساد، لذا تضغط لنشر كل فلس أو قرش أو سنت أين يذهب، وتركز على أن الموازنة يجب أن تعكس أولويات الناس (صحة، تعليم) وليس فقط رغبات السلطة التنفيذية، كما تعتمد المؤسسات الدولية (مثل البنك الدولي وصندوق النقد) على تقاريرها لتقييم مدى استقرار وسلامة النظام المالي في أي دولة لتعزيز الثقة الاقتصادية بها وبأدائها، وباختصار تُعتبر موازنة المواطن بأنها – وبمعنى بسيط – هي الحارس على بوابة الأموال العامة، الذي يتأكد من أن الحكومة تفتح دفاترها الحسابية أمام الشعب ليرى ويناقش كيف تُصرف أمواله، وهذا كله من المفترض أن يكون تحت أنظار منظمة ( IBP ) المعروفة عالمياً بإنتاج “مسح الموازنة المفتوحة”، وهو التقييم المستقل والوحيد في العالم الذي يقيس مدى إتاحة الوثائق الأساسية للجمهور، كالبيان التمهيدي للموازنة، الذي يصدر قبل طرح مقترح الموازنة، ويوضح المعالم العريضة للسياسة المالية للحكومة، والتوقعات الاقتصادية الكلية، والأهداف العامة للإنفاق والإيرادات، ومقترح أو مشروع قانون الموازنة العامة للدولة الذي يقدمه الجهاز التنفيذي إلى السلطة التشريعية للموافقة عليه، ويحتوي على تفاصيل النفقات المقترحة، ومصادر التمويل، والديون، ومن ثم إصداره كقانون مُلزم يحدد سقف الانفاق لكل جهة، ومن ثم إتاحة وإطلاق موازنة المواطن وهي عبارة عن نسخة مبسطة وغير تقنية من الموازنة، تهدف إلى شرح الأرقام والسياسات المالية بلغة سهلة لتمكين عامة الشعب من فهم كيفية توزيع الموارد العامة، إضافة إلى جملة تقارير ربعية ونصف سنوية وختامية تحكي عن مستوى تنفيذ ما تم التخطيط إليه عبر الموازنة المعلنة، وإن لم نفعل ذلك فسنبقى بعيدين عن الدخول في مؤشر شفافية الموازنة العالمي، والذي ما نزال أساساً خارج قوائمه وتصنيفاته، غير أن ما أعلنه وزير المالية اليوم عن إطلاق ” موازنة المواطن ” يؤكد أن سوريا باتت عازمة جدياً على خوض هذا الغمار لأول مرة في تاريخها، والدخول في قوائم المؤشر إياه وتصنيفاته، وما يعني ذلك من أبعاد اقتصادية وخدمية واجتماعية، ولعل وزارة المالية تساهم في أداءٍ حسنٍ للتقدم بهذه الخطوة النوعية نحو خطوات أعلى من خلال إحداث منصة خاصة بموازنة المواطن تتلقى من خلالها ملاحظاته على التطبيق، وتحفظاته على الأداء لتصويب الأخطاء وتلافي العثرات قبل وبعد وقوعها.
في الحقيقة مشكورة وزارة المالية ” على صدقها ” إذ لولا نية الصدق ما كانت مضطرة للتورط بما ذهبت إليه، ” وعلى وجرأتها ” إذ لولا شجاعتها وجديتها ما كانت مضطرة أيضاً لأن تضع نفسها بمواجهة مخاطر هذا المحك .. فبالتوفيق إن شاء الله للمالية وللبلد كله .. ومواطنيه.
