الدكتور معن داؤود رشّ قنبزاً في بيادر الاقتصاد الزراعي بأولى محاضرات العام الجديد لجمعية العلوم الاقتصادية

 

 

 

مكاشفة صريحة للواقع الزراعي والحل بالعلم والمنطق

للعمل الزراعي دوره في لحمة المجتمع .. أرقام واحصائيات تظهر ندرة الموارد وعجز التغطية

 

كتبت سوسن خليفة :

سأبدأ مقالتي بمقدمة غير تقليدية من حيث انتهى الدكتور معن داوود بمحاضرته الاقتصاد الزراعي المكاني خطوة في بناء وطني جامعٍ أسّها الاقتصاد، حيث قال: لقد قمت “برش القنبز فقط ” وتأتي هذه المحاضرة ضمن نشاطات جمعية العلوم الاقتصادية بعقد ندوة الثلاثاء الاقتصادية في بداية عام 2026 .

بداية استعرض المحاضر نتائج الأزمة الوطنية البنيوية السورية متعددة الأطياف من2011لغاية 2024

على الصعيد الاجتماعي كانت النتائج وبالأرقام:

– 2.6 مليون معوق ومصاب حرب؛

-6.7 مليون نازح داخلي و 6.6 مليون لاجئ خارجي؛

– تدهور ترتيب التنمية البشرية عالمياً إلى 157 (من 115)؛

– 90% من السوريين تحت خط الفقر و 66% تحت خط الفقر المدقع؛

– 89% لا يتمتعون بالأمن الغذائي (ونصف الباقين مهددون)؛

– حتى 50% من الأطفال 5-17 سنة لم يلتحقوا بالمدرسة أبداً

 أما على الصعيد الاقتصادي فكانت النتائج كالتالي:

فقد تم تسجيل خسائر تراكمية (مع فوات المنفعة) بلغت نحو 530.1 مليار دولار؛ وسجلت المنازل المدمّرة عددا أكثر من 325 ألفاً، والمتضررة أكثر من 1600 ألفاً؛

أما ما أصاب البنى التحتية الرئيسة فقد تضررت بنسبة تراوحت ما بين 10إلى 28% حسب القطاعات .

وتدهورت قيمة العملة لتصل القيمة الشرائية للدخل دون 2% مقارنة بـعام 2010؛

و تراجعت الاستثمارات الوطنية  من 8.2% إلى 1.5% . وفي القطاع الخاص  تراجعت من 12.3% إلى  3.0%.

 بيئياً:

تأثيرات عميقة على مجمل الموارد الطبيعية الوطنية (أراض وتربة، موارد مياه، تنوع حيوي، ومصادر طاقة) لعل أكثرها وضوحاً:

تجريف ~ 120 ألف هكتار من الأراضي أو تلوثها بمخلفات أبنية وأنقاض؛

تلوّث ~ 100 ألف هكتار بمخلفات أسلحة وأعمال حربية؛

تلوّث 50 ألف هكتار بملوثات التكرير البدائي للنفط؛

انهيار منظومات مائية لتلوّث المصادر وانخفاض مناسيب المياه الجوفية؛

فقدان حتى 20.5% من الثروة الحراجية الوطنية نهاية خريف 2024؛

انخفاض نسب التغطية في مواقع رئيسة من 60-80% إلى  5%؛

فقدان التنوّع الحيوي وأصول وراثية في مناطق مختلفة.

وكانت هناك تأثيرات عميقة بيئياً على مجمل الموارد الطبيعية الوطنية ( أراض وتربة، موارد مياه، تنوع حيوي، ومصادر طاقة ) ويأتي في مقدمتها انهيار منظومات مائية لتلوّث المصادر وانخفاض مناسيب المياه الجوفية؛ وفقدان حتى 20.5% من الثروة الحراجية الوطنية نهاية خريف 2024؛ وفقدان التنوّع الحيوي وأصول وراثية في مناطق مختلفة.

ثم انتقل المحاضر د. معن داوود للحديث عن تغيّر التنظيم الاقتصادي وأثره على الواقع الاقتصادي والاجتماعي  والتنموي الوطني 2011-2024 حسب الشكل التالي:

 

 

وعرض المحاضر رسماً بيانياً يوضح  تغيّرات وخسائر الاقتصاد السوري والقطاع الزراعي قبل استعار الأزمة الوطنية وبعدها.

 

وأورد المحاضر بعضاً من مسارات التطوّر الزمني لأهم الدراسات المتعلقة بإدارة الموارد الطبيعية واستخداماتها 2000-2024: مثلا المؤتمر الوطني للسكان عام (2001)

ومشروع المياه لدمشق 2007، ووضع سيناريوهات مائية 2010، مؤتمري الجزيرة السورية تشرين ثاني 2010 و شباط 2011.

الملتقى الزراعي السوري (2020-2021) – محاولات الخروج من الأزمة البنيوية .

الحل باللجوء إلى العلم

وتساءل المحاضر: هل ننتقل من حاضرٍ واعٍ لماضٍ بما يكفي لتحليله وفهمه وتفسيره ؟

الأمر الذي يساعده في تبرير مآلات الواقع واستشراف احتمالات مستقبله بتشعبات تُتيح للجماعة الوطنية تفكيك العثرات وتغيير المسارات.

ما نهدف إليه في هذا المجال محاولة الانتماء إلى الفعَلة المنخرطين ، ولأقصى حدٍّ، كجزء        رئيس من الحدث لمناهضة ظلم يقوم على عدم عدالة في تخطيط وإدارة واستخدام المورد الطبيعي مما يُهمِّش جماعات واسعة من أفراد المجتمع مكانياً ، ويُعرقل تمكينهم في مناقضة صريحة لحقوقهم الإنسانية.

ورأى المحاضر أن أزمة الموارد المائية الحالية ليست جديدة ولن تكون  الأخيرة.

فهي  ترتبط بالموقع الجغرافي وموارده الطبيعية ومحدوديتها في مختلف مناطقه البيئية وأحواضه المائية، وأيضاً بالقدرة على إتاحة تلك الموارد لاستخدامات مختلفة وفق أولويات يجب إعلانها وتزداد تحت تأثيرات تغيرات المناخ.

ويبرز هنا أهمية الدور الذي تلعبه الإدارة الوطنية للموارد،  وكيف تنعكس آليات التخطيط عليها. وعلينا وعي وأهمية  الاقتصاد الزراعي للمجتمع البشري والمرتبط بتغيرات المناخ والانزياحات  الزمانية والمكانية؛ فالموارد الطبيعية نزرة من حيث وجودها: ولا يكون التعامل الشعبوي صحيحاً معها، الرُشد يكون مؤسساً على اللجوء إلى العِلْم.

حيث تبرز هنا معاناة غالبية الأحواض المائية، والعجز في تأمين الطلب على المياه حيث تجاوزت كميات المياه الجوفية المستخرجة كميات التغذية في كثير من المناطق. مما  أدى إلى استنزاف الموارد المائية وتلوثها.

وعن دور الموارد المائية في التخطيط الاقليمي وتُبرَزُ أهمية تلك العلاقات بالنسبة للمخططين مع قطاعات الاقتصاد الوطني من خلال توابع عوائد ومنفعة يُمكِن الوصول إلى حلول منطقية لها ضمن شروط أولية أو حدّية متعلّقة أساساً ببنية القطاعات الهيكلية وبالبنى التحتية المستخدَمة التي تُمكِّن من تحقق العمليات الإنتاجية والتكنولوجية في كافة القطاعات الاقتصادية المساهمة في التنمية.

مواجهة نقص الغذاء

ثم تحدث عن المسألة الزراعية وارتباطها بالحقوق على المورد الطبيعي من المياه

مورداً مثالا عن إمكانية  إعلاء شأن هوية بديلة وطنية جامعة؟  وتكون معبِّرةً عن مواطنين متساويي حقوق مُمكّنين معرفياً واجتماعياً عبر حوكمة اقتصادية عادلة أسّها العمل المشترك التكافلي الضامن هو مواجهة نقص الغذاء نتيجة ضعف التمكين الاقتصادي؛ مع تجاوز عقابيل التأثيرات البيئية طويلة الأمد على الموارد النزرة المتناحر عليها.

اختراق حائط اليأس

فالهوية تبدأ من معرفة الموئل ووعي الذات الجمعي ويكون ذلك من خلال :

–       تطوير الاستثمارات العامة وغير الحكومية في الرأسمال البشري والبنى التحتية.

–       تطوير  الاقتصاد المكاني التضامني والتكافل المجتمعي المدني.

–       والعمل على إيجاد صيغ تشاركية لاستثمار اجتماعي طويل الأمد.

–       زيادة الدخل المجتمعي وأجور الأفراد بشكل مستدام.

–       إحداث مظلة رعاية حمائية مجتمعية للأضعف دخلاً وضحايا الحرب جميعهم.

ووضع المحاضر تصور وآلية  لاختراق حائط اليأس بدءاً من… واقع شديد التشظّي، ويجب البدء من خطوات صغيرة مكانية، محلّية الطابع، تُدمَج وتُعمَّم لاحقاً في منظور إقليمي فوطني، ويمكننا إصلاح الوعي الممزّقّ عبر التركيز على التعليم وتوطين اقتصاد المعرفة

ترتيب الأولويات لتوحيد الرؤى والجهود

وطرح د. معن تساؤلاً عن إمكانية أن يكون القطاع الزراعي محركاً تنموياً.

وكانت الإجابة بأن هذا مرتبط بشكل رئيس بمرحلة بدء الخروج من الأزمة الوطنية البنيوية، وهو الخروج الجاري في ظل ضغوطات التجاذبات الهوياتية البارزة مجدداً بفعل تأثيرات سقوط منظومة القيادة وتناهب الموارد الطبيعية والثروات الوطنية والتناذر المجتمعي العنيف ضمن ظروف أواسط 2025.

والرؤية هنا أن القطاع يجب أن يكون ديناميكياً  ومتكيّفاً ومتأقلماً مع المستجدات الطارئة، عندها تُصبح الأوليات جميعها مرتبة لتوحيد الرؤى والجهود بدءاً من المكان الأصغر إدارياً وصولاً إلى الموئل الأكبر وهو  الوطن. وتبرز هنا مجموعة من التحديات الرئيسة ترتبط  بـ:

–       حل مسألة إدارة عقلانية مكانية للموارد الطبيعية المتاحة دون استنزاف

–       الخروج من إشكاليات محدودية التمويل وإلزامية ضرورة العودة إلى التراكم الاقتصادي الأولي المرتكز على حرية أكبر لحركة رأس المال المالي

–       إيجاد آليات معلنة توافقية للتمويل

–       إعداد منتج تخطيطي عقلاني قابل للتحقيق يرتكز على مخرجات البحث العلمي في القطاعات الاقتصادية الوطنية المختلفة.

التأثيرات على تنمية الإنتاج الزراعي ومنعكسها المستدام في التعافي.

استناداً إلى المعطيات والأرقام المقدمة من باحثي الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في محطة بحوث حميمة الواقعة في زمام مشروع ري مسكنة غرب ضمن وادي الذهب يمكن إبراز الأرقام الإنتاجية التالية (وسطي للمنطقة بعد 2020): نذكر على سبيل المثال :

شعير (زراعة مطرية)  1500 كغ \ هكتار؛ (مروي تكميلي)  4000 (5000-5100) كغ \ هكتار؛ قمح (مروي) 2.5 –   7.0 طن \ هكتار؛ ذرة صفراء حب (حسب العروة والخدمة)    5.0 – 12.0 طن \ هكتار، في أرض رئيس محطة البحوث 7.0 و10.5 طن \ هكتار     (2023)

وفيما يتعلق  بتطوير الري وترشيده:

توصل المحاضر إلى نتيجة مفادها:  إن تحسين كفاءات الري في المزرعة فقط باستخدام أنظمة أكثر كفاءة قد لا يوفر فعلياً المياه ضمن النظام الهيدرولوجي الكلي (النهر على سبيل المثال) ما لم يتم تقليل التحويلات المائية الموسمية الإجمالية إلى المزرعة بالمقابل.

وخلص المحاضر إلى إنّ سوريا ما زالت في مسار تشير ملامحه إلى تشكُّل نظام فيه مقادير متفاوتة ومتعايشة من التسلّطية والطائفية والزبائنية والقبول ببعض الاختلاف السياسي والتنوّع المجتمعي، ومقادير واسعة من الليبرالية الاقتصادية والليونة والتكيّف في العلاقات الخارجية وما تفترضه من التزامات واتّفاقات لجذب الاستثمارات والمشاريع الكبرى. وتُظهر التجارب التاريخية المقارنة أن الدولة بعد النزاعات الممتدة، لا تُبنى من الأعلى إلى الأسفل، بل تُعاد خياطتها من الأطراف إلى المركز، عبر هياكل قادرة على العمل، ولو جزئيًا، بمعزل عن الصراعات السياسية على المركز.  لذا ستكون هوامش التحرّك الفعّالة ضمن محاولات التأثير بالمقادير، والمرتبطة بالعمل المجتمعي النشط القائم على العلم والمنطق، داخلياً وخارجياً، لتصعيب جميع “مهام العنف”، ومنع تراكم مواردها المعنوية والمالية.

إدارة الندوة

أدارت الندوة الأستاذة رانية عبد ربه التي أثنت على المحاضرة وغناها بالمعلومات والاحصائيات. مشيرة إلى أن هناك بعض النقاط تحتاج إلى محاضرات مستقلة لشرحها والإضاءة عليها.

المداخلات:

د. نبيل سكر تساءل عن ماهية الحل بالنسبة للحيازات الزراعية الصغيرة التي تفتقر إلى دخول التكنولوجيا الحديثة.

أ. فؤاد اللحام. تحدث عن غياب التشبيك الزراعي الصناعي المهم في عملية تنمية الاقتصاد.

د. عصام تيزيني طلب من المحاضر توضيح فكرة ترشيد المياه في الري وكيف أدت إلى زيادة المساحات المزروعة.

د. سمير سعيفان أشار إلى أن دعم القطاع الزراعي كان غير حقيقياً، وذهب لبعض الاستثمارات الكبيرة.

د. عامر خربطلي: أثنى على المحاضرة القيمة مشيراً إلى وجود أراض زراعية خارج المشاريع الزراعية في بعض المناطق الجغرافية.

د. جهاد كنعان: حاول تلخيص ما أورده المحاضر وأنه أشار إلى مناطق هامة لابد من العمل على حلها للوصول إلى اقتصاد زراعي سليم.

المحاضر بدوره لخص رده بكلمة مجازية قائلاً : ( أنا فقط رشيت القنبز!).

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.