جديد 4E

فوضى قطاع الدواجن والترخيص العشوائي وراء أزمة الفروج الحالية

قرنفلة : قطاع الدواجن رغم سنواته الستين لايزال بلا هوية ولا عنوان .. نشأته مشوّهة  في ظل غياب توجه فني مؤسساتي

علي محمود جديد

أثبتت الوقائع أن قطاع الدواجن في سورية وعلى الرغم من أهميته وانتشاره وازدياد المشتغلين فيه، ما يزال قطاعاً هشّاً وغير محصّن ضد النكسات والاختلالات المحتملة، فهو متروك على التوكّل هكذا وبانفلاشِ كاملٍ ومريب، وإلاّ ما كان حصل ما حصل بخروج منتجات الدواجن من اللحم الأبيض والبيض خارج روزنامة الغذاء الشعبي، وانتقلت هذه المنتجات من كونها أغذية متاحة لعامة الشعب، إلى أغذية بعيدة المنال، وضرب من ضروب الخيال، حيث لم يعد أغلب الناس قادرون على تناول هذه الأغذية بعدما شهدته من ارتفاعات كبيرة في الأسعار تفوق قدرة أكثر المستهلكين على مجرد الاقتراب ..

فمعاليه يوم ( الاثنين ) 3 / 8 / 2020 م  ازداد ارتفاعاً وتحليقاً ليصل إلى ( 3700 ) ليرة للكيلو غرام الواحد، وبالطول الكامل نافشاً ريشه مع سيقانه وأحشائه !

أجل سعر كيلو معالي الفروج الحي ( 3700 ) ليرة فعلاً في ذلك اليوم، وتدرّج في كل يوم ارتفاعاً حتى تجاوز / 4000 / ليرة .. فماذا نفعل ..؟ وإن استطعنا أن نشتري قطعة منه .. أو نضحّي بقطعتين .. فماذا يفعل من لا يستطيع سوى الحرمان ..؟!

كان على الجهات المختصة – ولاسيما وزارة الزراعة – أن تضع خططاً احتياطية تجابه مثل هذه الحالة التي نحن عليها اليوم، فها نحن بمأزق حقيقي، إمّا أن يستمرّ هكذا ويتفاقم، أو أن نلجأ إلى خيار استيراد الفروج المجمّد، الذي رآه محمد كشتو رئيس اتحاد غرف الزراعة السورية ( في تصريحات صحفية ) بأنه الخيار الأكثر سوءاً، معتبراً أنّ اللجوء إلى استيراد الفروج المجمد، لكسر الأسعار الحالية، في ظل المطالبات الكثيرة من قبل الناس لحل هذه المشكلة لاسيما بعد وصول الازمة إلى طريق مسدود، هو احد الحلول الاكثر سوءاً بالفعل لأن لهذا الخيار منعكسات سلبية على المربين، غير أنّ هذا المقترح لم يناقش بعد، ولكنه يمكن أن يكون أحد خيارات الخروج من أزمة الفروج الحالية.

كشتو أوضح في تصريحاته ان مؤشرات ازمة الفروج كانت واضحة منذ سنتين، لدرجة أنه قلّل من أهمية موافقة الحكومة على صرف مبلغ ٩ مليارات ليرة لقطاع الدواجن، معتبراً أن هذا الإجراء لن يحلّ الأزمة ، كما أن دراسة صرف ١٠٠ ليرة لكل مربٍ عن كل فروج، من الممكن أن تذهب إلى أشخاص حاصلين على رخصة تربية دواجن لكنهم لا يمارسون المهنة..!

كما اعتبر كشتو أن خروج عدد كبير من مربي الدواجن من الإنتاج خلال الفترة الماضية أمر طبيعي عندما خسر المربون مع انخفاض سعر الفروج في وقت سابق، وهذا ما حصل بالفعل، واليوم مع استمرار نحو ٤٠% من المربين في الإنتاج، أصبح العرض قليلاً، وبالتالي ارتفع السعر.

أسباب الأزمة

إذن 40% من المربين مستمرين بالإنتاج، وهذا يعني أنّ 60 % منهم توقفوا، وخرجوا من العملية الإنتاجية، وهذ ما أوصلنا بالتأكيد إلى قلة العرض أمام زيادة الطلب – على الرغم من ضعف القوة الشرائية – فكانت النتيجة الطبيعية ارتفاع الأسعار بهذا الشكل الجنوني، ولكن لماذا وصلنا إلى هذا الواقع الصعب .. ؟ وما دور الأعلاف في ذلك ..؟

ما علاقة الأعلاف بهذه الأزمة ..؟

الكثير من إشارات الاتهام تتجه نحو منتجي ومستوردي الأعلاف، وهم المتهمون الأساسيون بالوقوف وراء هذه الأزمة، فما مصلحتهم في ذلك إن كانت النتيجة خروج قسم كبير من قطاع الدواجن من ساحة الإنتاج .. وبالتالي فوات فرص كبيرة وذهبية على منتجي الأعلاف ..؟ فما الحكاية إذن ..؟!

في مذكّرة لمنتجي أعلاف الدواجن حول هذا الواقع الحالي لقطاع الدواجن، أبعدوا فيها أنفسهم ونشاطهم كلياً عن أي دور لارتفاع الأسعار، وحمّلوا القضية إلى العرض والطلب، كما أن الفوضى التي تخيّم على هذا القطاع تلعب دوراً كبيراً في ذلك أيضاً .. !

تقول المذكرة :

لمدة طويلة خلال الأشهر السابقة تعرضنا لهجوم عنيف من قبل كافة الدوائر الرسمية وكافة القائمين على قطاع الدواجن وكافة المربين بأننا نحن منتجي الأعلاف السبب الأول في خسارة قطاع الدواجن والسبب في خروج العديد من الدواجن عن التربية مدعين أن سبب الخسائر يعود إلى الارتفاع في أسعار الأعلاف وبقاء أسعار الفروج والبيض عند مستواها المتدني.

وقد كررنا مراراً وتكراراً بأن السبب الحقيقي في أزمة قطاع الدواجن يعود إلى العرض والطلب في مادتي لحم الفروج والبيض فقط وليس إلى ارتفاع أسعار الأعلاف مؤكدين ذلك بعدة نقاط أهمها:

1- إن مشكلة قطاع الدواجن في سورية هي ليست مشكلة حديثة وإنما هي تعود إلى عام 1980 فمنذ ذلك التاريخ يتعرض القطاع لأزمات وانتعاش بسبب عدم تنظيم قطاع التربية بشكل يتناسب مع العرض والطلب وإعطاء التراخيص بشكل عشوائي ووجود عدد كبير من المداجن غير المرخصة.

2- إن أسعار الأعلاف تخضع لتغييرات أسعار الصرف بشكل كبير فهي مواد مستوردة بالقطع الأجنبي ونظراً لارتفاع أسعار الصرف في الأشهر السابقة فقد ارتفعت أسعار الأعلاف لتتناسب معه.

ولكن مع انخفاض سعر الصرف منذ فترة فقد نزلت أسعار الأعلاف بشكل كبير جداً خلال الأسابيع السابقة بينما أسعار لحم الفروج والبيض ارتفعت بالتوازي وبشكل كبير جداً هذا دليل أن العامل الأساسي كما كنا نقول دائماً في قطاع الدواجن هو العرض والطلب على مادة لحم الفروج والبيض وليس أسعار الأعلاف.

3- نظراً لعدم وجود صناعة للمنتج الجاهز من لحم الفروج والبيض مثل تفريز لحم الفروج وتجفيف البيض فإن العرض والطلب على هاتين المادتين السريعي التلف تؤثّر كثيراً في أسعارهما لذلك طالبنا مراراً وتكراراً بوجود صناعة للمنتج الجاهز من هاتين المادتين ليتناسب العرض مع الطلب في السوق.

4- إن الاستثمار في تربية قطاع الدواجن سهل جداً فالمربي لا يحتاج إلى رأس مال فهو يأخذ الصوص بالدين والأعلاف بالدين وإذا ربح لا يقوم باستثمار هذا الربح في هذا القطاع وإنما يستثمره في قطاعات أخرى غير منتجة وإذا خسر لا يدفع من هذه الديون شيئاً، فلذلك يتعرض منتجو الأعلاف إلى خسائر كبيرة وديون معدومة خيالية جداً.

في النهاية نناشد كافة الدوائر الرسمية وكافة القائمين على قطاع الدواجن على إنصاف منتجي الأعلاف من الاتهامات غير الصحيحة التي تعرضوا لها في الأشهر السابقة وتنظيم عملية التربية في سورية وإعطاء التراخيص بشكل يناسب العرض مع الطلب وإلا سوف يتعرض هذا القطاع إلى أزمات كبيرة في المستقبل.

أين صناعة الفروج والبيض فعلاً.؟!

يبدو كلام منتجي الأعلاف موضوعي جداً، وهو يتقاطع مع ما رآه رئيس اتحاد غرف الزراعة، محمد كشتو في تصريحاته السابقة بأن المعالجة لهذا الوضع يتم بضبط خريطة إنتاج الصوص البياض، من خلال ضبط سلسلة إنتاج أمات الفروج، لتحديد العرض القادر على تلبية احتياج السوق المحلية، وأن ينعكس دعم الأعلاف على المنتج والمستهلك معاً.

هذا تقاطع من جانب معيّن، ولكن السؤال العريض فعلاً هو : أين صناعة الفروج والبيض التي تتيح بسهولة الانتصار على مثل هذه الحالة التي نحن عليها اليوم ..؟

كان يمكن للفروج المجمد المنتج والمخزّن محلياً بكميات كافية أن يحلّ هذه الأزمة، فلماذا لم نستثمر صالات التبريد التي تتسع لملايين الفراريج المجمدة، والتي تتحمّل التخزين في حال صعقها – وهذا ممكن – لأشهرٍ طويلة ..؟ ولو حصل ذلك لكانت هذه الفراريج اليوم تطل علينا بكل محبة وتواضع .. بدلاً من أن يُكايدنا هذا المنفوش الريش اليوم ..

كان يمكن للبيض المُصنّع أن يأخذ دوره اليوم أيضاً، بعد أن وصل سعر البيضة الواحدة إلى / 125 / ليرة .. ! ولكن .. كيف يمكن أن يتم ذلك ..؟

قطاع الدواجن مشوّه بلا هوية ولا عنوان

الباحث الزراعي المهندس عبد الرحمن قرنفلة سألته بداية عن أوضاع الدواجن  .. والسر بين انخفاض أسعار الأعلاف وارتفاع أسعار الفروج بشكل كبير ..؟ فدخل الحديث مباشرة بالقول :   

الباحث المهندس عبد الرحمن قرنفلة

قطاع الدواجن رغم سنواته الستين لايزال بلا هوية ولا عنوان، ومشكلة هذا القطاع انه نشأ نشأة مشوهة في ظل غياب توجه فني مؤسساتي….لذلك نرى ان 99% من مداجن القطر تفتقر للحد الادنى من الامن الحيوي وغياب الامن الحيوي يؤدي الى انخفاض المردود الاقتصادي من التربية.. اضافة الى وجود مساحة واسعة من قلة المعارف الفنية مما يرفع من تكاليف الإنتاج.

واعتبر المهندس قرنفلة أن الاضطرابات المستمرة في مفاصل القطاع ناتجة عن عدم وجود خطط لإدارة القطاع ولتشغيل المداجن فلا أحد يعرف نسب التشغيل ولا موسمية العمل…وذلك بفعل عدم وجود اتحاد يجمع المربين وينظم شؤون المهنة.

هذا الاضطراب ينعكس على اداء الاسواق ففي حالات نجد طرحاً يفوق الطلب يلحق خسائر بالمربين وفي حالات نجد العكس مما يلحق ضرر بالمستهلكين، ولا توجد مؤسسات ولا بنى تحتية تساهم في ضبط ايقاع الاسواق ولا توجد استراتيجيات لتصدير فوائض الإنتاج، مع أنه يمكن حفظ لحم الفروج  بالتبريد او بالتجميد عند وجود فائض وطرحه بالأسواق عند انحسار المادة من الأسواق، ويمكن تحويل البيض الى بودرة وحفظه لعشر سنوات دون تبريد، هذه الامور معمول بها في اوروبا وامريكا من عقود خلت، وبشكل أوضح هذه التقنية معمول بها منذ الحرب العالمية الثانية، كما أن حجم التجارة العالمي بالبيض المجفف يتحاوز مليار ونصف دولار سنويا، وهذا النمط من البيض المجفف يكون على شكل بودرة كالحليب المجفف، وما إن تعيد اليها نسبة الماء المسحوبة منها حتى تعود بيض سائل عادي، وممكن استخدامه في القلي أو الطبخ، إن للمنازل أو الفنادق، كما يمكن استخدامه في بعض الصناعات الغذائية كالحلويات والمعكرونة .. وما إلى ذلك.

قرنفلة أكد لنا أنه سبق وطرح هذا الموضوع مراراً، كما تحدث عنه مرات عديدة في الصحف، حتى أن مجلس الوزراء وافق منذ نحو سنتين على اقامة مصنع للبيض المجفف ولكن ؟؟؟؟ لله المشتكى .. قال قرنفلة.

أما بالنسبة للعلاقة  بين سعر الاعلاف وسعر الفروج – حسب رؤية المهندس الزراعي عبد الرحمن قرنفلة – فإنه نتيجة الارتفاع الكبير في اسعار الاعلاف وضعف القوة الشرائية للمستهلك مما يضع حداً أعلى قسريا لمبيع المادة يلحق خسائر بالمربين فقد توقف كثير منهم عن الانتاج ولا يملك رأس مال لازم لإعادة الاقلاع بدورات انتاج جديدة، هذا الواقع ادي الى تراجع حجم المعروض من لحم الفروج وزيادة الطلب مما دفع لولب الاسعار للتقدم نحو الأعلى رغم انخفاض غير كبير في اسعار الاعلاف، ورغم ان نسبة مساهمة قيمة الاعلاف من اجمالي تكاليف الانتاج تصل الى 75% الا ان عوامل فنية تتعلق بنسبة النفوق ومعامل التحويل تتحكم بنسبة ربح المربي.

ختـــاماً

إذن يبدو هذه هي المشكلة الحقيقية .. سوء التخطيط والعبث فيه ما أدى بالفعل إلى هذا التشوه في قطاع الدواجن، الذي ينعكس اليوم بصورة هذه الأزمة حتى غدا فعلاً مسلوب الهوية والعنوان .. !

هكذا نُضيّع الفرص على أنفسنا بكفاءة عالية، ومن أجل لا شيء .. ! ولا شيء مطلوب في مثل هذه الحالات إلا القليل من الجديّة والاهتمام والإحساس .. والضمير الحي المتيقّظ .. فلماذا لا نضع النقاط على حروف هذا القطاع المبهمة ..؟!

سيريا ستيبس

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

+ 8 = 12