جديد 4E

بعد حواره مع مسؤول نفطي .. زياد غصن يكتب عن تكاليف المشتقات وأثر رفع أسعارها على استمرار الاضطراب السعري

 

المشتقات النفطية… مجدداً

زياد غصن :

 

سلامات …

بداية اعتذر أن صفحتي لهذا اليوم قد تكون طويلة بعض الشيء، لكن للضرورة استثناءات…

على خلفية زاويتي الأخيرة المتعلقة بكلفة المشتقات النفطية، دعاني مؤخراً مسؤول نفطي إلى زيارته بغية شرح موقف الوزارة مما ورد في الزاوية.

ولأنه من حق الوزارة، وأي جهة حكومية أخرى إبداء رأيها فيما نشر، فقد لبيت الدعوة وخضت حواراً امتد لأكثر من ساعتين شرحت فيها وجهة نظري حيال أثر رفع أسعار بعض المشتقات النفطية على استمرار حالة عدم الاستقرار السعري في الأسواق المحلية، وارتفاع كلف الإنتاج إلى مستويات جعلت من استمرار عمل بعض المنشآت الإنتاجية يبدو بلا جدوى اقتصادية.

في المقابل أوضح المصدر أن لجنة تسعير المشتقات النفطية والتي تضم ممثلاً عن وزارة النفط تعتمد أسعار النفط العالمية في احتساب كلفة المشتقات النفطية، يضاف إليها تكاليف نقل النفط الخام إلى المرافئ السورية ورسوم التأمين وغيرها، إضافة إلى تكاليف التشغيل من عمليات تكرير ونقل وتخزين وتوزيع، وما يفرضه القانون من رسوم جمركية على عمليات الاستيراد، مؤكداً أن الهامش، والذي كان يتراوح سابقاً بين 5-10% تم إلغائه منذ فترة.

في ضوء مجريات ذلك الحوار الذي جرى قبل بضعة أيام ، فإنه من الضروري توضيح ما يلي:

أولاً-

من حق أي جهة عامة أو خاصة أن تحسب بشكل علمي وواقعي كلفة المنتج الذي تقدمه، وتالياً فإنه من حق وزارة النفط أن تحسب كلفة المشتقات النفطية وفق أسس موضوعية وحقيقية، وهذا بغض النظر عن قيمة الدعم المقدم لبعض المشتقات النفطية.

وإذا كانت وزارة النفط تخفض وترفع أسعار مادتي المازوت الحر والأوكتان 95 حسب تغير كلفهما، فإن التحدي الحقيقي سيكون عندما تنخفض أسعار النفط عالمياً ويحافظ سعر الصرف على استقراره… فهل ستقوم الوزارة بخفض سعر مادة البنزين العادي بعد أن وصل سعره إلى ما يوازي كلفته تقريباً؟ المسؤول قال إن هذا ما سوف يحدث… وبالفعل فقد تم منذ أيام قليلة خفض سعر البنزين العادي من 12500  ليرة إلى 12276 ليرة.

ثانياً-

خلال الحوار دار نقاش عميق حول مفهوم العلاوة، والتي هي عبارة عن مبلغ مالي يضاف إلى الطن الواحد، وتختلف بين كل منتج من المشتقات النفطية. وحسب ما تشير الوزارة فإن المقصود بالعلاوة، وهو مصطلح مستخدم عالمياً كما تقول، كلف النقل والتأمين بين الدولة المصدرة والدولة المستوردة. وهي كلف زادت بشكل كبير جراء تداعيات العقوبات الغربية المفروضة على سوريا.

ثالثاً-

ما أثار حفيظتي هو الرسوم الجمركية المفروضة والتي هي من اختصاص وزارة المالية، إذ ليس هناك بلد في العالم يواجه حصاراً اقتصادياً من كل حدب وصوب، ثم يقوم هو نفسه برفع تكاليف إنتاجه. والمشكلة ليست فقط في فرض رسوم جمركية على مادة حيوية في هذه المرحلة، وإنما في طبيعة الرسم الذي يستوفي على أساس أن المنتج المستورد هو مشتقات نفطية وليس نفط خام. وثمة فرق كبير بين الحالتين، ففي الحالة الأولى الرسم الجمركي المستحق هو 10%، وفي الحالة الثانية الرسم المستحق هو 1%.

طبعاً هناك من سيقول إن تخفيض هذا الرسم سيتسبب بفوات مبالغ كبيرة على الخزينة العامة في هذه المرحلة الصعبة. لكن ينسى هؤلاء أن الخسارة الآنية سيعقبها أرباحاً واسعة عندما تدور عجلة الإنتاج وتشغل البلد بأكمله، وإلا لماذا تم تخفيض الرسوم الجمركية على استيراد المواد الأولية والغذائية مثلاً؟

رابعاً-

عندما قلت أننا ندفع كلفة المشتقات النفطية مرتين، فقد كان المقصود أننا كمواطنين نشتري اليوم بعض المشتقات النفطية بسعر الكلفة، لكن لاحقاً ستكون الحكومة مضطرة لتسديد قيمة النفط المستورد وفق خطوط ائتمانية، وبطبيعة الحال فإن هذا التسديد سيكون من خلال اقتطاع جزء من الإيرادات العامة سنوياً، أي من الضرائب التي ندفعها كمواطنين وعلى حساب تمويل المشروعات الخدمية والتنموية، إلا إذا كانت الحكومة تدخر حالياً مبيعات المشتقات النفطية حالياً في حساب خاص يخصص لتسديد قيمة النفط المستورد.

خامساً-

من بين مجموعة واسعة من الأرقام التي أطلعت عليها فيما يتعلق بتفاصيل دعم المشتقات النفطية هناك بعض بنود الدعم أعتقد أنها باتت بحاجة إلى مراجعة حقيقية منها ما يتعلق ببعض المنشآت العامة، التي تسعر منتجاتها بأسعار مساوية للقطاع الخاص فيما هي تسجر مادة المازوت بأسعار مدعومة، والقطاع الخاص يشتريها بالسعر الحر وأحياناً من السوق السوداء.

سادساً-

في الحديث عن فاتورة الدعم يجب التنويه إلى نقطة هامة جداً، وهي أن استيراد النفط وفق الخط الائتماني يعني أن الخزينة العامة حالياً لا تتحمل من الدعم المعلن سوى ما يسدد من دفعات ثمناً لبعض كميات النفط وتكاليف تكريرها ونقلها وتوزيعها. ولذلك علينا أن نميز بين الدعم الفعلي الذي تتحمله الموازنة العامة، وبين الدعم الدفتري المحسوب على أساس أن قيمة النفط كاملاً، سواء ما يسدد منه أو ما يدخل في خانة الدين الخارجي.

وإذا كان ما يسدد حالياً سبباً رئيسياً في عجز الموازنة، فماذا سوف يحدث عندما تصبح الديون واجبة التسديد إذا ما بقي الإنتاج الوطني مكبلاً، والموارد الوطنية المتاحة غير مستثمرة كما ينبغي، والهدر والفساد يزدادان يوما بعد يوم. وهذا سبب آخر يدعونا إلى تكرار مطالبتنا الواردة سابقاً في هذه الزاوية، والمتمثلة بعقد مؤتمر حوار اقتصادي وطني.

سابعاً-

في سياق الحديث ذكر المسؤول النفطي أن الوزارة قامت في العام 2014 بتحرير أسعار البنزين كاملاً وبعض كميات المازوت لعدة أشهر وفق بنود التكاليف التي ذكرتها في مقالتي السابقة، مستفيدة في ذلك من تراجع أسعار النفط عالمياً. ولو استمر ذلك التحرير لما وصلنا إلى هذه المرحلة، ولما اتسعت الفجوة بين الكلفة وبين السعر الذي تباع فيه معظم المشتقات النفطية. ولذلك فإنه لا بديل عن مراجعة شاملة لسياسة دعم المشتقات النفطية، لا بقصد الإلغاء، وإنما بهدف تحديث آلياته وأشكاله بحيث يتم الانتقال من الدعم المتعدد والمتشابك لمستلزمات الإنتاج إلى دعم المنتج النهائي، وهذا يجب أن يحدث حتى لو عادت غداً جميع حقول النفط والغاز إلى سيطرة الدولة.

دمتم بخير

شام إف إم – الصفحة الأخيرة

التعليقات مغلقة.