السقوط الثاني الوشيك لجدار برلين .. على إيقاع ملامح عالم ما بعد كورونا .. !

كتبَ : يحيى زيدو

يحيى زيدو

سينتهي وباء “كورونا ” كما انتهت غيره من الأوبئة التي أصابت البشرية قديماً وحديثاً ، مثل “الطاعون”، و “الكوليرا”، أو “الحمى الأسبانية”، أو “سارس”  و “أيبولا”، و “إيدز” و “جنون البقر” و “انفلونزا الخنازير”، و ذلك بعد أن يحصد ما سيحصد من أرواح البشر في مختلف بلدان العالم.

لكن “كورونا” سيترك بصماته على القادم من تاريخ العالم ، لأن هذا الفايروس لم يكتفِ ببقائه وباء أو حالة طبية، بل تحول إلى حدث عالمي في التاريخ المعاصر لا يقل أهمية عن سقوط جدار برلين، بكل ما يترتب على ذلك من آثار سياسية، واقتصادية، و اجتماعية، و ثقافية.

لعل أولى بصمات “كورونا” تتمثل في تراجع سطوة الفكر الديني، و تقلص دور المؤسسة الدينية التي فشلت في تقديم أي شكل من أشكال الطمأنينة للبشر المذعورين الذين أصابهم الهلع والخوف من الانتشار السريع والواسع  لفايروس”كورونا”، وما يمكن أن يسببه من حالات موت بين الناس. لقد فشلت     – أو قل امتنعت – تلك المؤسسات في التفاعل مع الإجراءات الاحترازية الوقائية  أو التنفيذية التي اتخذتها الحكومات للتغلب على هذا المرض، أو الحد من انتشاره، فلم نسمع أن مؤسسة دينية أطلقت فتوى بوجوب الالتزام بالبيوت، وعدم التجمع، أو منع الاحتكار، وعدم رفع الأسعار. و على العكس من ذلك كان المعنيون في تلك المؤسسات هم الناس الأكثر ذعراً، وربما أسهمت ممارسات و محاولات بعض حركات الإسلام السياسي الاستثمار في هذا الوباء في تنفير الناس منهم.(مثال دعوة  بعض قادة الأخوان المسلمين في مصر من أجل نشر الفايروس بين صفوف الجيش و الشرطة، و محاولات دفع الناس إلى  التجمع في الشوارع بقصد تحدي السلطات).

و بديهي أن تقلص دور المؤسسات الدينية، و تراجع الفكر الديني لا يعني بحال من الأحوال تراجع الدين أو منظومة القيم الاعتقادية الدينية، فالدين، كحالة إيمانية اعتقادية، سيبقى حتى إشعار آخر مصدراً أساسياً للطمأنينة التي يحتاجها البشر في حياتهم وللسلام، و سيبقى الجانب الغيبي حاضراً في معتقدات الناس ما دامت هناك  حروب، و ظواهر كونية خارج السيطرة ،و عصية على الفهم أو التفسير العقلي.

لكن الذي سينهار هو سلطة التدين، أي الجانب السلطوي المرتبط بالقسر والإكراه ضمن سلسلة الأوامر و النواهي الدينية المستمدة من الكتب المقدسة، و التي عملت عليها أجيال من الفقهاء و المفسرين و المفكرين من أجل إرضاء السلطات الدينية أو السياسية، أو كلتيهما معاً ، بحسب درجة التواطؤ الذي قام بين هاتين السلطتين عبر التاريخ في الغرب و الشرق على السواء.

لقد أظهر الانتشار العالمي لوباء “كورونا” أن التكتلات السياسية الكبرى في العالم ليست متماسكة كما تبدو في الصورة المراد تعميمها عنها، و أنها ليست سوى تلفيق سياسي ينهار لصالح الدولة الوطنية أو القومية عند أول اختبار جدي .              ولعل تجربة الاتحاد الأوروبي تشكل نموذجاً يمكن مقاربته في هذا السياق، فقد تركت دول الاتحاد الأوروبي دولة عريقة، و مؤسسة للاتحاد مثل إيطاليا، تواجه مصيرها منفردة  في مواجهة وباء”كورونا”من دون تقديم أية مساعدة لها، و الأمر نفسه حصل مع صربيا التي استبدلت علم الاتحاد الأوروبي بعلم جمهورية الصين الشعبية احتجاجاً على موقف الاتحاد السلبي من طلبها مساعدات طبية لمواجهة الوباء. و هذان المثالان قد يكونا مؤشرين دالّين على ما يمكن أن يطال الاتحاد الأوروبي من احتمالات تفكك أو انقسام وانسحاب بعض الدول منه.

و في الوقت نفسه فإن علاقة الاتحاد الأوروبي بالولايات المتحدة و بحلف شمال الأطلسي ستتأثر سلباً ، و ربما لن تكون الولايات المتحدة قادرة على السيطرة على دول الاتحاد الأوروبي بالطريقة التي تسيطر بها الآن، وهذا الأمر سوف يسهم في خلق تحالفات سياسية وعسكرية تجمع دولاً كانت على خلاف منذ الحرب العالمية الثانية، و تفرق دولاً متحالفة منذ ذلك التاريخ.

هذه الانقسامات والتحالفات المتوقعة بعد مرحلة الانتهاء من مواجهة الوباء ستغير شكل علاقة دول العالم مع الغرب الذي سيفقد سيطرته على العالم، في مقابل تكريس سلطة الشرق (الصين- روسيا- اليابان) و غيرها من الدول بعد الأداء الخلاق للصين التي وقفت كحارس طبي للعالم، و قدمت النموذج الإنساني  الراقي لما يجب أن تكون عليه العلاقات بين الدول بصرف النظر عن الخلافات السياسية و الاقتصادية، و الأمر نفسه  قد ينطبق على روسيا و إن بدرجة أقل بسبب التنافس الروسي الغربي في أكثر من بقعة جغرافية في العالم.

إن تراجع دور التكتلات السياسية الكبرى يعني أن نموذج “العولمة – Globalisation” لم يعد صالحاً بصيغته المفرطة الحالية، و سيناله الكثير من محاولات التعديل لصالح الدول الوطنية التي ستتكرس فيها سلطات حيوية – بتعبير ميشيل فوكو- تستطيع من خلالها التحكم بحركات البشر، و السيطرة عليهم بعد عقود من دعوات الديمقراطية والحريات الفردية وحقوق الإنسان التي كانت عدة شغل النظام العولمي للسيطرة على الدول والمجتمعات، من دون إغفال فكرة أن بعض الحكومات قد وجدت في الإجراءات التي اتخذتها لمواجهة وباء” كورونا” مناسبة لتشديد قبضتها وسلطتها على مجتمعاتها، و من الصعب تصور أنها ستتخلى عن هذه السلطات دون أن تُدفع إلى ذلك دفعاً بضغوط مجتمعية تبدو مؤجلة في هذه المرحلة.

لكن ما لن يتغير، بطبيعة الحال، هي الطبيعة المتضاربة للسياسة العالمية ، والتنافس بين القوى الكبرى، مما سيجعل من امكانية صناعة الأزمات السياسية لأسباب اقتصادية أمراً قائماً في كل وقت.

لقد غيّر وباء “كورونا” نظرة الفرد والحكومات والمنظمات إلى الطبيعة والكون، وبدأت تتعالى أصوات أحزاب البيئة أو (جماعة الخضر)  و حركات اجتماعية ومنظمات مدنية تنافح عن فكرة أن الكون والطبيعة ليسا ملكاً لدولة أو حكومة أو جماعة اجتماعية أو سياسية بعينها، بل هما للبشر جميعاً، و مسؤولية الحفاظ عليهما مسؤولية الجميع لأن مصير البشر واحد، و دفع المخاطر عن هذا الكوكب يجب أن يتم بجهود الجميع دولاً وحكومات ومنظمات وأفراداً.

هذه الأفكار قد تسهم في إكساب تلك الأحزاب والحركات والمنظمات نتائج جيدة في أية انتخابات قادمة داخل أوروبا وأمريكا بشكل خاص، وفي كثير دول العالم عموماً، وهذا بدوره سيؤدي إلى إعادة النظر باقتصادات العالم التي سيكون لأحزاب البيئة ومنظمات المجتمع المدني دوراً أساسياً في توجيهها، و في تفعيل الاتفاقيات الدولية بشأن البيئة والمناخ (اتفاق كيوتو على سبيل المثال). و سيكون لذلك مفعول أساسي في صياغة تحالفات الغد بين الدول، التي ستتحدد على ضوء التراجع الاقتصادي لكثير من الدول المتقدمة حالياً، وعلى تقدم دول أخرى في معدلات النمو الاقتصادي(تصريح وزير الاقتصاد الفرنسي عن الكلفة الكبيرة لمواجهة وباء”كورونا” وتراجع الاقتصاد الفرنسي، و قوله بأنه لا يعرف شكل فرنسا المقبل قد يكون صالحاً لتعميمه على كثير من اقتصادات الدول الغربية ). بالإضافة إلى تراجع دور النفط وبالتالي تراجع دور الدول المنتجة له لصالح دول تنتج الغاز الطبيعي، وظهور قوى اقتصادية جديدة تشارك في رسم شكل النظام العالمي الجديد.

 ما سبق، وغيره من آثار أخرى ستتظهر في قادم الأيام، قد يغير وجه العالم، ويدفع القوى الكبرى إلى إقامة شراكات فيما بينها من جهة، وفيما بينها وبين باقي دول العالم من جهة ثانية، من أجل خلق نظام دولي جديد على أسس أكثر مقبولية من النظام العالمي الحالي الذي يتفسخ أكثر كلما اشتدت أزمة وباء ” كورونا”.

و السؤال الذي يبقى ملحّاً: ما هو دور العرب وموقعهم في كل هذه التغيرات التي حصلت و تحصل في العالم؟

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

7 + 1 =