السلطة الرابعة في حوار شيّق مع أكثر البرلمانيين السوريين جمالاً وتألّقاً.. (1من 4)

المهندسة المعمارية ماريا سعادة: إن لم نفهم تاريخنا فلن نتطور..

“ليس فقط” أننا لا نعرف قيمة هذا التاريخ.. بل هناك حرب إرهابية لإزالته…!

وصول رسائل لعلماء وخبراء آثار لإيجاد مستندات كي يغيّروا فيها التاريخ السوري …!

جزء كبير من الحرب علينا كانت إرهاباً على التراث..

عمارة الكنائس في العالم بدأت في سورية، وتطورت في الغرب..

أجرت اللقاء: وصال عبد الواحد

اللقاء مع سيدة الأعمال السورية، والنائب السابق – ونتمنى أن تكون اللاحقة – في مجلس الشعب، المهندسة المعمارية ماريا سعادة.. يشبهها.. فهو غنيٌّ وجذّاب.. ومتميز يروي لنا حكايات فيها الكثير من الإصرار والمثابرة والتحدّي.. وقصص النجاح، والكثير مما هو جديد على مسامعنا.. من اختصاصها الشيّق في تصميم عمارة الكنائس.. والهندسة المعمارية بشكلٍ عام.. إلى اختصاص تصميم المفروشات.. وكيف جَدَلَتْ بين الاختصَاصيْن لِتُخْرِجَ لنا ضفيرةً معمارية بديعة.

النائب السابق ماريا سعادة ستجدون معها في هذا اللقاء للسلطة الرابعة أنها تمتلك أفكاراً حضارية بمصفوفة لؤلؤية متدرّجة تمتدّ من قناعاتها بضرورة التعبير والتأثير، إلى أهمية الاستماع للرأي الآخر بأناقة بعيداً عن المهاترات وقريباً بل ملتفّاً على المصلحة الوطنية التي لا يجوز الاختلاف عليها، وصولاً إلى تحدّيها وقتالها على المنابر الدولية وهي تفضح بكل شجاعتها ووسامتها بعض الجرائم البشعة التي يحاول أعداء سورية إلصاق التّهم بها. 

الحوار كان طويلاً، فكان المكسب معنا باتجاهين:

الأول: أنها منحتنا وقتاً فسيحاً كان ممتعاً عبر الحديث معها.

والثاني: أننا سنضطرّ إلى تقسيم الحوار لأربعِ حلقاتٍ متسلسلة ننشرها تباعاً وهذا ما يعني أنها ستمكثُ معنا في رحاب السلطة الرابعة وقتاً أطول.. إنها لفرصة طيبة.. فلن ننكر سعادتنا بلقاء سعادة فعلاً.. هذه السيدة المتألّقة الطموحة.. وأول ما خضنا معها الحوار ذهبنا إلى رحاب الكنائس.. وسألناها:  

  • لفتنا اختصاصك الجميل في التصميم المعماري بتاريخ عمارة الكنائس، حصلت على دبلوم في هذا الاختصاص بعام 1998، فما هي ميزات عمارة الكنائس في سورية؟

أولاً بدأت عمارة الكنائس في سورية، لكنها تطورت في الغرب، أي عمارة أو أي بناء كان يأخذ وقتاً طويلاً لإنشائه في تاريخ البدايات المسيحية، وعندما تمّ إعلان المسيحية ديناً رسمياً للإمبراطورية الرومانية وكان ذلك في عهد قسطنطين، ولكن أول كنيسة مؤرخة في التاريخ هي في سورية “كنيسة فافرتين” في أنطاكيا، وعندما كانت الحاجة لبناء الكنيسة لتجمع المؤمنين، فكان هناك شيء يُدعى (البازيليك الروماني) وهو عبارة عن مجال وسطي عريض، توجد فيه الأعمدة وكلما أرادوا أن يزيدوا من عرض ذلك المجال، يقومون بوضع صف جديد من الأعمدة من جهة اليمين والشمال، بسبب طبيعة الإنشاء في ذلك الوقت، وكان اعتمادهم على الحجر وسقف الخشب، ولم يكن الخشب طويلاً بما فيه الكفاية فكانوا مضطرين لإضافة أعمدة أخرى، وعند تسكير الأعمدة الأخيرة، يصبح لدينا حيّز داخلي كبير، وكي يتمكنوا من إقامة مكان خاص لوجود الكاهن وللصلاة، ابتكروا شيئاً اسمه “الحنية المقدسة” والتي بدأت تتطور منها عمارة الكنائس. 

البازيليك الروماني

والكنيسة السورية بالذات وبناءً على طقس تقديم القدّاس، كانت تُقسم إلى قسمين الأول للصلاة والثاني كان يجري فيه تقديم القرابين.

يذهب الخوري ومعه مجموعة الكهنة للكنيسة ويجلسون مع الجميع، وفي الكنيسة يوجد مكان يُسمى “البيما السورية” (وهو مخصص للكهنة والرهبان لإقامة الأناشيد والترانيم المسيحية) والمسيح يُعتبر هو الإله وكلنا نصلّي من أجله، لذلك نجد بأن الجميع يتّطلعون باتجاه الحنية المقدسة، بما فيهم الكهنة الذين كانوا يجلسون على مصطبة مرفوعة متل نعل الفرس وهي ما تسمى بـ “البيما السورية”، وقد بدأت في سورية وذلك من تحليلهم للطقوس المسيحية.

وفي النصف الثاني الذي تُقدّم فيه القرابين، يكون الكهنة في قدس الأقداس، وهي المنطقة المقدسة، ليقدّموا القرابين، ويمثلّوا دور المسيح بتقديم القرابين.

تلك هي آلية تحليل القداس، وهي التي خلقت شيئاً اسمه الكنيسة السورية، و بين عامي 600و700 توقّف بناء الكنائس، وبعدها لم يكن هناك أي تطوّر مؤرخ لعمارة الكنيسة السورية حتى منتصف القرن الخامس عشر، لنجد الأمر مختلفاً في أوروبا، من القسطنطينية إلى روما، فالكنيسة الشرقية والغربية كلٌّ طوّرها بحسب طقوسه وبناء على طرق الإنشاء الجديدة، ولاسيما عندما انتشر “البيتون المسلّح والعمارة الحديثة”، فتطورت الكنائس بأوروبا بطريقة حديثة جداً، في الوقت الذي بقيت عندنا حاضرة بالذهن بصورة “الكنيسة التقليدية البازيلكية” كما كانت موجودة من قبل في ذاكرة رجال الدين. ولكن في العصر الحديث بدؤوا يعتمدون مثل هذا النمط الذي هو عبارة عن نمط إنشائي وليس نمطاً دينياً، ولكن تحوّل إلى نمط ديني لأنه صار من ضمن ذاكرة الكنيسة التقليدية.

فالبداية كانت من سورية، وقد حوّلنا العقيدة الدينية إلى طقس، وكان له خلفية معينة في الذهن، فأي شكل يحصل لطريقة تقديم الصلاة، وأي لباس للكاهن، وأي مكان في الكنيسة، وأي تحليل لرجال الدين للدين، كانت له وظيفة تنعكس على العقيدة الدينية. فأصبحنا مضطرين لتطوير الكنيسة في منطقتنا من أجل خلق المكان المناسب لممارسة تلك الطقوس الدينية. في حين أنّ الغرب أخذ جميع تلك الأمور كتحصيل حاصل وعمل على تطويرها. ولكن الكثير منا يعرف بأنّ مهد الحضارات والثقافات انحدرت من سورية، والديانة المسيحية كانت مبنيّة على ثقافة سورية، إذ عكست لنا ثقافات وحضارات الشعوب المتراكمة الموجودة في ذلك الوقت، لنتمكّن لاحقاً من فهمها وتطويرها. 

  • ساهمتِ بترميم العديد من المواقع الأثرية مثل قلعة دمشق ورأس ابن هاني من داخل سورية، وصولاً إلى كاتدرائية نوتردام في فرنسا، هل تعاملت مع تلك المواقع كمجرد خبيرة اختصاصية، أم كان لديك مشاعر أخرى تجاه تلك الأماكن؟

عندما درست الترميم، كنتُ شخصاً يحب التطوير والمعاصرة، ولكن دراسة الترميم كانت فرصة مهمة لي وكنت أتابعها في الوقت الضائع وبطريقة موازية لحصولي على دبلوم التصميم، وأيقنت بأننا إن لم نفهم تاريخنا فلن نستطيع أن نطوّر، وأعتقد بأن قراءة التاريخ عند الناس تأخذ ثلاث مستويات:

-القراءة التاريخية من أجل معرفة التاريخ.

-القراءة التاريخية لفهم الحاضر.

كنيسة دير سيدة صيدنايا

-والقراءة التاريخية لاستقراء المستقبل وبالتالي التطوير.

فعندما نتمكّن من قراءة التاريخ نتمكّن من تطوير المستقبل، وهذا هو ذروة فهمنا للتاريخ، وعندما تنسجم هويتنا مع الأرض الموجودين عليها ونكون واعيين لتاريخ ذلك المكان، فنشعر بالاعتزاز والزهو بأننا نحمل من هذا التاريخ المتراكم باللاوعي وبالجينات، وعندما سندخل لمكان ما لمعالجة هذه الحقبات التاريخية سيكون لدينا الوعي الكامل لأسباب وجودها.. فإن ذهبنا لترميم قلعة دمشق فعلينا أن ندرك ماذا تعني الحقبات التاريخية التي مّرت على دمشق،

وما أهمية أنّه بذاك الزمن التاريخي تم العمل على تهيئة هذا الطابق أو تلك القاعة سواء إن كانت بالعهد المملوكي أو السلجوقي أو العثماني أو الروماني، لوجود عدة طبقات في قلعة دمشق، أياً منها كانت الأكثر أهمية، وأياً كان دورها أكبر لنعرف ونقدّر قيمة أي حبة تراب ونحافظ عليها…؟  وكيف سنبرزها بالشيء المادي الموجود، الذي سيعكس من جاء ومن حكم فيها …؟ وبماذا اسُتخدمت …؟ ومن كان الحاكم في ذاك العصر …؟ كل ما ذكرت ما هو إلا انعكاس لجزء مهم من تلك الحضارات، وواجبنا الحفاظ عليها وإظهارها.. فسواء كان العمل في قلعة دمشق أو رأس ابن هاني في اللاذقية “علماً بأن المنطقة كانت مهملة هناك ويجب أن تستثمر سياحياً “، فمن المهم أن نعرف كيف نتعامل معها بشكلٍ صحيح.

عندما سافرتُ إلى فرنسا من أجل العمل في مجال الترميم، بدأنا من صرح كاتدرائية نوتردام ولمستُ حجم الاهتمام الكبير بذلك الصرح، علماً بأن تاريخ الكاتدرائية أقصر بكثير من تاريخ حضارتنا، ووجدت حجماً كبيراً من العمل الدقيق، وحلقات عمل وأبحاث ومجموعات متخصصة كانت  تُعطي أهمية لنوع الحجر الذي صُنِع في نوتردام، مثلاً عندما لم يجدوا من نفس نوعية الحجر المُراد ترميمه، ولم يكن في نيّتهم استبدال الحجر الأساسي بأي نوع آخر، رغم أن الحجر الأساسي قد بدأ يتآكل، فقاموا بالعديد من الأبحاث وتوصّلوا إلى آلية لترميم نفس الحجر المستخدم، عن طريق بكتيريا تتكاثر ببودرة الحجر، لتعود وتعطي ترميماً للسطح المتآكل.. تلك التفاصيل الصغيرة التي يعملون عليها، نحن نفتقدها ولربما قد تكون هي سبب الإشكالية عندنا.. فنحن نقدّر التاريخ، ولكن أحياناً لا نستطيع استيعاب أهمية الأشياء التي بين أيدينا حتى نتمكّن من استثمارها والحفاظ عليها…؟

للأسف اليوم وخاصة بعد الحرب الجائرة على سورية كان هناك طريق واضج وممنهج لتشويه هذا التاريخ “وخاصة بأن الجميع يعلم بأن سورية هي مهد لجميع الحضارات”؟

نعم وهذه حقيقة باعتراف علماء آثار، قد جاؤوا إلى بلادنا، وأكّدوا بأنه قد تم إرسال الكثير من الرسائل للعلماء وخبراء الآثار، ليس فقط لقراءة التراث والحضارات، وإنما لإيجاد مستندات يستطيعون أن يغيروا من خلالها ذلك التاريخ…!

في يوم سقوط بغداد، دخلت مجموعة إلى متحف بغداد وتم تكسير ونشر الزجاج بطريقة ممنهجة وأخذوا أقدم نسخة للتلمود، وأُرسلت إلى إسرائيل!! وهذا دليل كبير على أن الحروب تستهدف التاريخ والإرث. 

واستهداف تدمر أيضاً، وتخريب ما هو مرتبط بتاريخ معين كان مقصوداً، فهناك عملية تشويه تاريخي متعمّد، كي لا يبقى شاهداً على التاريخ، وجزء كبير من الحرب علينا كانت إرهاباً على التراث، وأحياناً – مع الأسف ــ يتبعها بعض الجهل بمعالجة الأمور عندنا، أو بعدم المعرفة، لذلك من المهم أن تكون مداركنا الثقافية مفتوحة؟ وأن يكون لدينا وعي حقيقي لنتمكّن من الدفاع عن تاريخنا …؟

  • تخصصتِ اليوم بتصميم المفروشات، فما علاقة تصميم المفروشات بالتصميم العماري؟

أسّست مكتبي للدراسات المعمارية والعمارة الداخلية، بالإضافة إلى اختصاصي كخبيرة بالتراث وكنت قد عملت بذاك الاختصاص مع مجموعات أو بعثات أجنبية ومع مديرية الآثار أيضاً، ولكن عندما كنتُ أنهي التصميم الداخلي وأقوم بتسليم المشروع،  فيقوم صاحب المشروع بفرش المكان على طريقته، وأحياناً قد يبدو التصميم مشوهاً إذ لا علاقة للديكور بالمفروشات المختارة، وآخرون قد يذهبوا للتسوّق لاختيار الفرش المناسب، وقد لا يجدوا الطراز المناسب لتلك التصاميم، فقررت الدخول إلى عالم تصميم المفروشات، ولم تكن سورية بعد مفتوحة للاستيراد، فكنا نضطر لتصميم مفروشات تناسب الجو العام، ومن هنا انطلقت من الحاجة، وبدأتُ في العمل، وبدأ الطلب يزداد على مفروشات محدّدة، “مكتبي مثلاً كل مفروشاته من عملي وتصميمي” وهذا ما ساعدني للخوض فيما بعد بعالم المفروشات، ولم يعد المهم الناحية الجمالية فقط، وإنما الراحة أيضاً، فقد سافرتُ إلى إيطاليا وبدأت أشعر أنّ حاجتنا للتصميم وللتطوير كانت متماشية مع حاجة العصر، وهنا شعرت بأنني قادرة على التأقلم مع شيء عالمي، فتعرّفت على الكثير من الشركات الإيطالية وبدأتُ أستورد لاحقاً بعض المفروشات التي لم نكن قادرين على صناعتها هنا، كالمفروشات  الجلدية، وتمكّنت من تصميم  الكثير من المفروشات لشركات إيطالية وبنفس الروح الإيطالية التي أجد نفسي فيها. 

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

20 + = 26