جديد 4E

الصادرات معدومة .. والواردات متصاعدة .. تجارتنا في العسل تائهة بين عشوائية الأرقام .. والواقع المجهول .. !!

ثلث الطعام الذي نستهلكه  ماكان موجوداً لولا عمليات التلقيح التي يقوم بها النحل بين الأزهار

 

المطلوب خارطة طريق لتنمية وتطوير قطاع تربية النحل

 

(لا يتمثل الهدف النهائي للزراعة في زراعة وتنمية المحاصيل  وإنما في خدمة البشرية وتحسين رفاهيتها)

 

  • المهندس عبد الرحمن قرنفلة – خاص السلطة الرابعة :

لكي نتمكن من إطعام سكان العالم المتزايدين ، نحتاج إلى المزيد من الغذاء ، الذي يجب أن يكون متنوعًا ومتوازنًا وذا نوعية جيدة لضمان تقدم البشرية ورفاهيتها . يشتهر النحل بدوره في توفير غذاء عالي الجودة (العسل وغذاء ملكات النحل وحبوب اللقاح) ومنتجات أخرى مستخدمة في الرعاية الصحية ، والقطاعات الأخرى (شمع العسل ، عكبر ، سم نحل العسل( . لكن عمل النحل ذو تأثير أكثر من ذلك بكثير!  أكبر مساهمة للنحل والملقحات الأخرى هي تلقيح ما يقرب من ثلاثة أرباع النباتات التي تنتج 90٪ من غذاء العالم.  ويعتمد ثلث إنتاج الغذاء في العالم على النحل ، أي أن كل ثلث ملعقة طعام تعتمد على مساهمة النحل في تلقيح النباتات .

على مدار الخمسين عامًا الماضية ، تضاعفت كمية المحاصيل التي تعتمد على الملقحات مثل الفاكهة والخضروات والبذور والمكسرات والبذور الزيتية ثلاث مرات. يلعب النحل دورًا مهمًا فيما يتعلق بنطاق الإنتاج الزراعي. يزيد التلقيح الفعال من كمية المنتجات الزراعية ، ويحسن جودتها ، ويعزز مقاومة النباتات للآفات .  تعتبر النباتات المزروعة التي تعتمد على التلقيح مصدر دخل مهم للمزارعين ، وخاصة صغار المزارعين والمزارع المملوكة للعائلات في البلدان النامية. إنها توفر الوظائف والدخل لملايين الناس.  ووفقًا لتقديرات دراسة دولية أجريت في عام 2016 من قبل المنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النظم البيئية ، فإن الإنتاج العالمي السنوي للأغذية التي تعتمد بشكل مباشر على التلقيح كان بقيمة تتراوح بين 235 و 577 مليار دولار.

 

التنوع البيولوجي وحماية البيئة :

النحل عنصر حيوي للحفاظ على التوازن البيئي والتنوع البيولوجي في الطبيعة. أنه يوفر واحدة من خدمات النظام البيئي الأكثر شهرة ، أي التلقيح ، وهو ما يجعل إنتاج الغذاء ممكنًا.  ومن خلال القيام بذلك ، فإنها تحمي وتحافظ على النظم البيئية وكذلك الأنواع الحيوانية والنباتية ، وتساهم في التنوع الجيني والإحيائي.  يعمل النحل أيضًا كمؤشرات على حالة البيئة.  يخبرنا وجودهم أو غيابهم أو كميتهم عندما يحدث شيء ما في البيئة ، وأن هناك حاجة إلى الإجراء المناسب. من خلال مراقبة تطور وصحة النحل ، من الممكن التأكد من التغييرات في البيئة وتنفيذ التدابير الاحترازية اللازمة في الوقت المناسب.

الأرقام تتكلم فناقشوها  :

الأرقام الإحصائية تعيدني بالذاكرة إلى فترة عملي مديرا لمكتب السيد وزير الزراعة والإصلاح الزراعي منتصف الثمانينيات ، حيث لا يزال صدى كلمات احد السادة الوزراء يتردد في مسامعي عندما قال لي ( ناقش الأرقام يا عبد الرحمن فالأرقام تتكلم وتمنحك صورة صادقة وواضحة عن الواقع)…..

ومنذ تلك الفترة أتعامل مع الأرقام الإحصائية على طريقة الحوار معها ، لأصل إلى معطيات قد تكون في بعض الحالات غير متوقعة في مسار العمل ، وقد تكون صادمة في حالات باقية ، وربما قلبت لك بعض الصور احياناً رأساً على عقب ، أو وضعتك أمام إشارات استفهام كبيرة .

انتاجنا من العسل صراع الارقام وتذبذب البيانات :

وخلال متابعتي لواقع انتاج و تسويق العسل في بلدنا ، وبحكم عملي في هذا القطاع ، استمعت لكثير من الروايات من أصحاب الشأن في هذا المجال ، منهم زملاء نحالون ، ومنهم تجار عسل ومستلزمات تربية النحل ، وبعضهم يعمل في أنشطة صناعية تعتمد العسل مادة أولية ، وفي غالب الحالات تحمل تلك الروايات تناقضات عميقة . فالبعض يعتبر أن لدينا انتاج سنوي فائض من العسل ، ويطالب بفتح باب التصدير ،  ويتحدث عن أرقام صادرات متباينة الحجم ، والبعض يدعي أن إنتاجنا من العسل يغطي احتياج السوق المحلية ، بينما يؤكد آخرون أن هناك عجزا في إنتاجنا المحلي من العسل الذي لا يغطي حاجة السوق المحلية ويطالب بمنع تصدير العسل والسماح بالاستيراد. وتشير تصريحات عدد من المعنيين بقطاع النحل وإنتاج العسل أن انتاج البلاد السنوي من العسل قبل الازمة يتجاوز / 4500 طن / وان متوسط استهلاك القطر يبلغ حوالي / 2000 طن / ويبقى /2500 / طن فائض للتصدير . بينما تؤكد بيانات وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي أن إنتاج البلاد من العسل تبدل وفق الجدول التالي :

تبدل انتاج القطر من العسل وفق بيانات وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي

                  السنة الانتاج/ طن
2010 2966
2011 3032
2012 2722
2013 2896
2014 2517
2015 2477
2016 2421
2017 2474
2018 2557
2019 2629

*المجموعة الاحصائية الزراعية 2019

وفي خضم هذه الدوامة من التناقضات كان لا بد من الرجوع الى الارقام الاحصائية المتاحة حول حجم وقيمة  واردات وصادرات القطر من العسل  والتي وفرتها قاعدة بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة ( FAO  ) حيث تشير البيانات إلى أن الميزان السلعي لعسل النحل الطبيعي كان اقرب الى التوازن من عام 1990 الى عام 2000 ، ثم بدأت وتيرة الواردات تتصاعد متفوقة على الصادرات الى ان شهد عام 2008 اعلى قيمة واردات بكمية 155 طن مقابل صادرات 1 طن . ثم لتنخفض الواردات تدريجيا الى 19 طن عام 2011 والى 4 طن عام 2012 لتعود الى بالصعود الى 115 طن عام 2014 وتتراجع الى 13 طن عام 2019 .

وبذلك يكون مجموع وارداتنا من العسل للفترة 1990-2019 كمية / 1062 / طن من العسل مقابل صادرات قدرها / 120 / طن للفترة ذاتها

بينما تورد بيانات وزارة الزراعة والاصلاح الزراعي رواية مختلفة تم ادراجها بالجدول التالي :

بيانات وزارة الزراعة والاصلاح الزراعي حول الميزان السلعي لمادة العسل / الف طن /

المادة البيان

 

2009 2010 2011 2012 2013 2014 2015 2016 2017 2018
  انتــاج 2.8 3 3 2.7 2.9 2.5 2.5 2.4 2.5 2.6
عسل اسـتيراد 0.1 0.3 0.1 0
Honey تـصديـر
  الـمـتاح 2.8 3.0 3.1 2.7 2.9 2.8 2.6 2.4 2.5 2.6

 

خارطة طريق لتنمية وتطوير قطاع النحل :

ولعل تتبع ومقارنة البيانات الصادرة عن وزارة الزراعة وتلك الصادرة عن منظمة الاغذية والزراعة للأمم المتحدة ايضا يؤكد وجود تباينات معنوية .

ومهما تكن دقة ومصداقية الارقام ومن مختلف المصادر فإنها تؤكد أن انتاجنا من العسل متواضع وأن قطاع تربية النحل بحاجة الى اعادة نظر والتعمق في تحليل واقعه ومعرفة الصعوبات التي يواجهها العاملون في هذا القطاع ووضع خارطة طريق لتنمية وتطوير نشاط تربية النحل  الذي ينعكس مردوده على زيادة الانتاج الزراعي النباتي والحيواني وتحسين جودة النباتات نظرا للدور الذي يقوم به النحل في اخصاب النباتات المزروعة والنباتات الرعوية ويساهم بزيادة انتاج الحاصلات الزراعية النباتية والحيوانية بنسب تصل حتى 55% .

خطوات وزارة الزراعة سارت بالاتجاه المعاكس :

والجدير ذكره أن حقبة الثمانينيات شهدت إحداث مشروع ذو إدارة مستقلة مختص بالنحل في بنية وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي وعمل على إحداث عدد من وحدات انتاج خلايا النحل الخشبية في المحافظات ومراكز لإكثار النحل وبيع طرود للنحالين ، وشهد القطاع نشاطا متميزا آنذاك ، إلا أنه ما لبث أن تراجع بحدة  لأسباب غير واضحة عام 2015 أدت إلى تحويل المشروع لاحقا الى قسم في مديرية وقاية المزروعات ، والنحل حشرة اقتصادية تساهم بزيادة الانتاج الزراعي النباتي والحيواني وتحسين نوعيته . وجدير ان تحظى باهتمام حكومي اكبر من الواقع الراهن . سواء من حيث البنية الهيكلية أو من حيث تنشيط الاتحادات والجمعيات المتعددة العاملة في هذا النشاط وتوحيدها .