جديد 4E

عقود من التخطيط الزراعي غير الرشيد ألحقت ضرراً باقتصاديات الإنتاج الحيواني .. ثروتنا الحيوانية  .. نظم انتاج متخلفة .. و نقص الموارد العلفية .. وتدهور بيئة المراعي

 

استراتيجية تنمية الانتاج الحيواني يجب ان تحقق أغراضا في التنمية البشرية

 

2.5 طن متوسط انتاج البقرة من الحليب لدينا و 9.5 طن بالدول المتقدمة

 

المهندس عبد الرحمن قرنفلة – خاص السلطة الرابعة:

تعتبر تربية الحيوانات من أقدم حرف البشر ، ظهرت بعد الثورة النيوليتية  11-10  / ألف عام قبل الميلاد /عندما استقرّ البشر وتركوا الصيد ، ولازالت منتشرة حول العالم حتى اليوم وتعدُّ الحرفة الأساسية التي يَعتمد عليها ملايين الناس في حياتهم. بدأت هذه التحولات في حوض الفرات الأوسط وما حوله شمال سوريا ، ولدينا أدلة جيدة عن تدجين الحيوانات في مواقع تل مريبط  وتل أبو هريرة.  حيث عثر على أقدم الأدلة لتدجين الحيوانات في هذه القرى السورية . وتؤكد الأدلة تدجين الغنم والماعز والخنزير. و انتشرت معارف التدجين من سوريا إلى كافة بلاد الشام والأناضول عبر الروابط الثقافية والتجارية . وبعد عدة آلاف من السنين انتشرت تربية الحيوان و الزراعة في أوروبا وشمال افريقيا وباقي العالم.

اغراض متعددة للثروة الحيوانية :

الثروة الحيوانية توفر المزيد من الاستقرار الاقتصادي للمزرعة و للأسرة الريفية ، و تعمل كصمام امان نقدي (الحيوانات الصغيرة)، و احتياطي رأس المال (الحيوانات الكبيرة)، وكذلك رادعا ضد التضخم . وفي النظم المختلطة (النباتية والحيوانية ) تساهم الحيوانات في الحد من المخاطر المرتبطة بإنتاج المحاصيل النباتية ، كما أنها تمثل الموجودات النقدية القابلة للتسييل و التي يمكن أن تتحقق في أي وقت ، إضافة إلى مزيد من الاستقرار في نظام الإنتاج .

 

ورغم أن الأرقام الإحصائية تشير الى تذبذب نسبة مساهمة قيمة منتجات الثروة الحيوانية من اجمالي قيمة الانتاج الزراعي بين فترة وثانية  ، فإن الإحصاءات تلك تقلل عموما أو تتجاهل الأدوار متعددة الأغراض التي تلعبها الثروة الحيوانية في الغذاء ، والإنتاج الزراعي ، كما تهمل قيمة منتجاتها غير النقدية ، ودورها في الحياة الاجتماعية لصغار المزارعين .‏  فإضافة إلى دورها في توفير حاجة السكان من المنتجات الحيوانية المختلفة، كاللحوم والحليب والبيض1 ، فإنها تساهم في إمداد الصناعة بالصوف والشعر والجلود والعظام2 ،

كما تزود القطاع الزراعي بالأسمدة العضوية3 محققة وفرا في قيمة الأسمدة الكيماوية4 وتساهم بأعمال النقل والجر والحمولة وأعمال فلاحة الاراضي5  . وتخلق فرص عمل إضافية6 للسكان ، وتحد من الهجرة السكانية7 من الريف الى المدن ، وتعمل على توفير ايرادات نقدية بالقطع الأجنبي8 لخزينة البلاد من صادرات منتجاتها  ، وتلعب دورا هاما في توفير مصادر الطاقة9 ، وتحقيق وفر في قيمة مبيدات الأعشاب10 ، وتساهم في الحد من التكاليف الباهظة الناجمة عن حرائق الغابات11 ، وتحرك العملية التجارية 12.‏

 

المبادئ الغائبة عن طاولة اصحاب القرار  :

 

نعم تدهشني تصريحات بعض صناع القرار المعنيين بالشأن الزراعي في بلدنا ، عندما يتحدثون عن واقع  الثروة الحيوانية ، وخطط تنميتها ، متجاهلين معاناتها التي تمتد الى عقود بعيدة  ، وكثير من المبادئ والأسس الضرورية للنهوض بواقع الثروة الحيوانية السورية . في ظل وجود عدد من الفجوات المعرفية التي تم التغاضي عنها إلى حد كبير والتي تؤثر بشكل حاد على جودة صنع القرار .

تلك الثروة المشهود لها بكفاءتها الانتاجية وقدراتها الوراثية الانتاجية المتميزة ،والتي تشير السلاسل الزمنية الموضحة بالخطوط البيانية الى تطور انتاجها من الحليب واللحم ، رغم وجود عدد من الثغرات في محور تطور الانتاج سنوضح اسبابه في هذه المقالة.

 

 

الأزمة قلبت أمور تنمية الثروة الحيوانية رأساً على عقب :

ويتجاوز صناع القرار كثير من المتغيرات الطبيعية والمناخية  ، وتأثيرات تداعيات الأزمة التي مرت بها البلاد والتي دفعت جهود تنمية الثروة الحيوانية سنوات عدة إلى الوراء ، و قلبت أمور تنميتها رأسا على عقب ،  وعكست مسارات خطط تطويرها .

حيث تأثر قطاع الأبقار والأغنام والماعز بشكل حاد نتيجة ذبح عدد كبير من الإناث ، وتهريب أعداد باقية إلى الدول المجاورة ، وانخفاض عدد القطيع المنتج والنامي ،  وانعدام إمكانية الانتقال إلى المراعي الطبيعية التي وقعت تحت أيدي الارهابيين ، وخروج مصانع المواد العلفية من الخدمة بفعل التخريب الذي تعرضت له  ، وتعرض مستودعات المؤسسة العامة للأعلاف في أكثر من محافظة إلى النهب والسرقة والتخريب ، وإعاقتها عن توزيع حتى المقننات العلفية. مما ولد آثاراً خطيرة تمثلت بارتفاع أسعار المواد العلفية ، وما نجم عنه من انتشار نوعيات رديئة من الأعلاف ، أسهمت بخفض مستويات الإنتاج ، وتراجع إنتاج أنثى الأغنام 70% وارتفاع نسب إجهاض إناث الحيوانات الحوامل فسجلت الأغنام نسب نفوق تجاوزت 18% في حالات كثيرة وهذا يفوق المعدل الطبيعي بنحو 6 مرات فضلاً عن ظهور مشاكل صحية مكلفة. كما تراجعت اعداد القطعان عموما بشكل حاد .

 ولا يزالون ينتظرون من البقرة ان تنتج 9 طن حليب

أيها السادة ، إن الحيوانات الحلوب وحيوانات انتاج اللحم المعاصرة هي نتيجة تحسين وراثي طويل ، يمتد لأكثر من مائة عام ، تم خلالها تركيز مورثات تحقيق الانتاج المرتفع في سلالات تلك الحيوانات ولإظهار أثر تلك المورثات التي تحقق انتاجا مرتفعا من الحليب او اللحم ، لا بد من توفير الإيواء المناسب لها ، والرعاية الصحية ،

والعناية اللازمة ، وتوفير احتياجاتها الغذائية من بروتين وطاقة ومعادن وفيتامينات وأملاح ، وبتوازنات دقيقة وفق الحالة الفسيولوجية للحيوان ،  وهذه المقننات يتم حسابها بدقة بواسطة برامج الحواسب الآلية ، للحصول على خلطات علفية متوازنة في محتواها من العناصر الغذائية ،  واقتصادية ، وتلبي الاحتياجات الفعلية للحيوان ، وتلك الخلطات تتطلب نوعيات جيدة من الأعلاف المركزة / حبوب الشعير وحبوب الذرة الصفراء واكساب البذور الزيتية ونخالة القمح / إضافة إلى الأعلاف الخضراء ، والأعلاف الخشنة المالئة . كما تتطلب تغذية تلك الحيوانات برامج إطعام ، تحدد نسبة العلف المالئ الى المركز في كل مرحلة فسيولوجية يمر بها الحيوان .

 

حيواناتنا جائعة فلا تطلبوا منها انتاجا اقتصادياً :

  • متوسط إنتاج الوحدة الحيوانية بالعالم 30 كغ بروتين/ سنة وإنتاجية الوحدة الحيوانية السورية 25 كغ بروتين /سنة.

ورغم  امتلاكنا لأعداد كبيرة من الثروة الحيوانية ، ورغم أن السلطات البيطرية السورية لم تسجل حدوث أوبئة وجوائح مرضية تؤدي الى خفض إنتاج الحيوانات الزراعية .إلا أن انتاج الوحدة الحيوانية لدينا من البروتين الحيواني متواضع بسبب  تخلف نظم الإنتاج الحيواني ،

وتدهور حالة المراعي الطبيعة ، ونقص الموارد العلفية ، وضعف المعارف الفنية لدى مربي الثروة الحيوانية ، و نتيجة إهمال  التخطيط الزراعي في بلدنا ومنذ سنوات طويلة احتياجات الثروة الحيوانية من الأعلاف بشكل عام ، ومن الأعلاف الخضراء بشكل خاص . حيث من المؤسف أن  1.5-2 % فقط من إجمالي المساحة المحصولية الشتوية يتم تخطيطها لإنتاج الأعلاف الخضراء واقل من 0.1% من إجمالي المساحة المحصولية الصيفية .

0.8 بقرة في هكتار العلف الاخضر بالدول المتطورة و…..25 بقرة بهكتار العلف الأخضر في حقولنا

وفي حين  يبلغ متوسط الكثافة الحيوانية 0.8 بقرة في هكتار العلف الأخضر في الدول المتقدمة بالإنتاج الحيواني ، فإن متوسط الكثافة الحيوانية  لدينا يبلغ 25 بقرة في هكتار العلف الأخضر ،  رغم  أن الأعلاف الخضراء هي مصدر اقتصادي جداً لتغذية الحيوانات . وتحتاج الأبقار الحلوب  ​​8 -10٪ من وزنها الحي من العلف الأخضر وبما يكافئ 35-40 كيلو غرام يومياً  بينما تحتاج العجلات الناشئة 20 كيلو غرام علف اخضر باليوم ، على أن يكون ثلثي العلف الأخضر من نبات بقولي والثلث الأخر من نبات نجيلي .

الاعلاف عامل التمكين الأول لتنمية الثروة الحيوانية

عجز الموارد العلفية المحلية يتجاوز 4.6 مليون طن

تعتبر الأعلاف عامل التمكين الأول لتنمية وتطوير الثروة الحيوانية ، إذ أن المقدرات الوراثية للحيوانات لا يمكن أن تظهر نتائجها دون توفير العناصر الغذائية اللازمة لها ، بالكميات المناسبة ، والنوعيات الجيدة ، والتوازنات المطلوبة بين مكوناتها ، وبطريقة إطعام محددة .

وتتألف الأعلاف من شقين ، أعلاف مركزة تمتاز بمحتوياتها المرتفعة من البروتين والطاقة وانخفاض محتواها من الألياف ( الحبوب النجيلية والبقولية ومنتجاتها ، اكساب البذور الزيتية ، …..) وأعلاف مالئة متدنية المحتوى من العناصر الغذائية ومرتفعة المحتوى من الألياف، وتشمل الأعلاف الخضراء المزروعة ونباتات المراعي الطبيعية إضافة إلى الأعلاف الخشنة الجافة التي تمثل مخلفات حصاد وجمع المحاصيل .

وتشير جداول الموازنة العلفية السورية المتاحة لعام 2006  إلى وجود عجز في الموارد العلفية المحلية وهذا العجز لا يزال متصاعداً نتيجة تدهور حالة وبيئات المراعي بفعل عشوائية الرعي وارتفاع الحمولة الرعوية وكسر اراضي المراعي الطبيعية  بالفلاحة وارتفاع معدلات الاحتطاب للشجيرات الرعوية والرعي المبكر والجائر ، كذلك عدم ثبات كميات المخلفات الزراعية الخشنة للمحاصيل الزراعية بين عام واخر لاعتماد معظم تلك المحاصيل على مياه الامطار ، اضافة الى عدم التوسع بزراعة المواد العلفية ، وعدم اللجوء الى تحسين القيمة الغذائية للمخلفات الزراعية وفق المعطيات التي توصلت إليها مراكز البحوث العلمية الزراعية الوطنية مطلع التسعينيات .

 

نظرة صناع القرار الى الانتاج الحيواني بحاجة الى اعادة نظر :

 

لا تزال نظرة صناع القرار إلى الأبقار الحلوب والأغنام وغيرها على أنها  حيوانات تقتات على بقايا المحاصيل ، ومخلفات الحصاد ، والمراعي الطبيعية ، متناسين أن عدم حصول الحيوانات الزراعية على حاجتها الفعلية من الغذاء ، وتخلف طرق الرعاية والإيواء،  يخفض قدرتها الإنتاجية بشكل كبير ، وهذا ما جعل متوسط إنتاج البقرة الحلوب لدينا من الحليب /2.44 / طن حليب بالموسم مقارنة مع /9.5 / طن بالموسم إنتاج البقرة بالدول المتقدمة وإنتاج النعجة الحلوب/ 60.5 / كغ حليب بالموسم مقارنة مع /750 / كغ للنعجة بالدول المتقدمة . هذا يلحق خسائر فادحة باقتصاديات الانتاج الحيواني ، فالحيوان الذي يزن 500 كغ يحتاج كمية من الغذاء للحفاظ على حياته سواء كان في حالة انتاج او في حالة توقف عن الانتاج وكلفة هذا الغذاء سوف يتم تحميله على كمية الانتاج وكلما ارتفع الانتاج كلما انخفض نصيب ما يتحمله من قيمة العلف اللازم للحفاظ على حياة الحيوان وبالتالي ارتفعت اقتصاديات الانتاج

إن الحصول على أعلى قدر ممكن من انتاج الوحدة الحيوانية يتطلب توفير كامل احتياجاتها العلفية وبنوعية جيدة .

 

عوامل نجاح اهداف وإستراتيجية تنمية الانتاج الحيواني

إن أي اهداف تتناولها استراتيجية تطوير قطاع الإنتاج الحيواني ، ينبغي أن تحقق في نهاية المطاف اغراضا في التنمية البشرية  (من حيث إزالة حدة الفقر ودفع التنمية الاجتماعية وبتكلفة اقتصادية واجتماعية وبيئية منخفضة وتعزيز وظائف الاحتفاظ بالثروة الحيوانية ) ، وتلك الأهداف تتباين من منظومة إنتاجية إلى أخرى ، طبقا لحاجات وتطلعات العاملين في تربية الحيوان ، وسياسة الإنتاج الحيواني للقطر .

وأي منظومة إنتاجية لا بد لها من تحديد أهداف تنمية الانتاج الحيواني الممكن تحقيقها واقعيا ، في ظل الواقع الراهن للمنظومة ، ودور الإنتاج الحيواني فيها . ويتطلب هذا معرفة بالسياسات والتشريعات التي يمكن ان تحفز او تثبط مسارات التنمية كما يتطلب ايضا معرفة بالاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية ، البيئية والمناخية المؤثرة على المنظومة الإنتاجية ،وعلى أساس التحليل الدقيق للمعلومات يمكن وضع مجموعة من أهداف تنمية الإنتاج الحيواني ، والتي تكون بمثابة مقاصد المنظومة الإنتاجية ، وهذا يتطلب منظورا متوسط الى طويل الاجل . وتناول اهداف تنمية الانتاج الحيواني يتطلب مجموعة مقابلة من انشطة تنمية الثروة الحيوانية وتشكل هذه الانشطة استراتيجية تنمية الانتاج الحيواني . والتي تستخدم مزيجا من خمسة مكونات عامة ( تربية ، تغذية ، رعاية ، رعاية صحية ، تسويق )