بارعون بالتطفيش والتعطيل..والنتيجة 85% من مدخلات الانتاج الزراعي مستوردة .. !!

الطاقات والمبادرات موجودة .. وخامدة تحتاج لانتعاشها إلى ادارات منفتحة ونظيفة اليد ولا تخشى من اتخاذ قرار يحقق مصلحة الوطن.

هل باتَ أمننا الغذائي في حالة تهديد متصاعد ؟؟؟ الحل بيدنا إن أردنا وكنا صادقين

المهندس عبد الرحمن قرنفلة – خاص للسلطة الرابعة

تدهشني لغة الأرقام ، هي إضاءة قوية على زوايا مركزية بالغة الأهمية ، لكنها تقع في الظلام ، وربما بعيدا عن تفكير كثير من واضعي الخطط  وراسمي السياسات . ويدهشني أكثر ان لدينا الكفاءات العلمية والإمكانات المادية  والقدرات الفنية  اللازمة لقلب المعادلة رأساً على عقب .  ومقابلها ( للأسف ) لدينا آليات عمل تفتقد المرونة ، وقوالب قانونية جامدة ، وعقول ذات تفكير ضيق  في كثير من مواقع القرار ، تدفع تلك الكفاءات العلمية لهجرة الوطن والإبداع في بيئات خارجية / اكثر قدرة على احتوائها وتوفير مقومات تشجيعها ونجاحها / وتعمل على تبديد تلك الامكانات والقدرات ، لنقف أمام ارقام مفجعة تجعلنا نعيد التفكير مئات المرات بواقع الزراعة السورية .

مكونات انتاج مستوردة تولد تبعية غذائية :

في حديثه للتلفزيون العربي السوري مؤخراً اشار السيد وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية الدكتور سامر خليل إلى ان 85% من مكونات الانتاج الزراعي من بذور وأسمدة ومبيدات …..مستوردة .( وفق ما اورده موقع /الاقتصاد اليوم / على مواقع التواصل الاجتماعي في 25/3/2021)

 وربما يضاف اليها نسبة معنوية من اعلاف الدواجن والمجترات  والآلات والمعدات والأدوات الزراعية وعبوات التعبئة والتغليف … و القائمة تطول جداً . ولكن ماذا يعني هذا الكلام تطبيقياً ؟؟؟

  يعني اننا انتقلنا الى  حالة التبعية الغذائية للخارج  ، وان امننا الغذائي في حالة تهديد متصاعد ، وهذا ما اثبتته الوقائع الاخيرة عندما اعاق الحصار الذي تفرضه الدول المعادية وصول كامل الاسمدة اللازمة لزراعة الحبوب مما يؤدي الى خفض مردود وحدة المساحة بشكل معنوي .

 والغريب في الامر أننا بلد اشتهر عبر التاريخ  بتصدير كثير من مدخلات الانتاج الزراعي الى عدد كبير من دول العالم ، ولا زالت كثير من اصناف القمح والشعير  والعدس والحمص السوري تزرع في عدد كبير من  دول العالم وغيرها الكثير من المحاصيل ، ولا زالت كثير من الدول تتنافس للحصول على الماعز الشامي واغنام العواس ،  ولدينا مؤسسات حكومية متخصصة ، ومختبرات وتجهيزات ومراكز بحث علمي ، ومحطات تجارب وحقول اكثار ، و كفاءات فنية وعلمية وإمكانات قادرة على قلب المعادلة السائدة وإعادة توجيه الدفة لنكون قادرين على العودة وتصدير كثير من مدخلات الانتاج الزراعي وبجودة عالية وهي مدخلات مطلوبة في كثير من دول العالم .

مكابح تعطل القدرات وتلجم المبادرات :

وهنا تحملني الذاكرة الى ذلك المهندس الزراعي الشاب من ريف دمشق الذي اتخذ من تربية النبات و اكثار بذار الخضار مهنة له يمارسها في مساحات من اراضي قريته، وأبدع في انتخاب اصناف عديدة من الباذنجان والفليفلة والقرنبيط وغيرها كثير من الانواع التي اثبتت كفاءتها عند الزراعة وتميزت بغزارة انتاجها وتميز نوعيتها . وبدأ رحلة التصدير الى عدد من الدول العربية ، وبدأت اعماله بالتوسع ، وأصبحت الطلبات ترد اليه من العراق ومصر ودول الخليج ودول عربية باقية ،  إلا ان معيقات محلية عدة حالت دون تحقيق حلمه في تكوين مؤسسة  كبيرة قادرة على تلبية الطلب  واستعان بي قبل عامين تقريبا  لنقل وجهة نظره وتصوراته الى  السيد وزير الزراعة ، وفعلت ، ولكن !!!!!

انتقل ذلك الشاب مدفوعا بحلمه الكبير لممارسة نشاطه في دولة اوربية مشهورة بإنتاج بذار الخضار ، وأصبح يجني ارباحا مضاعفة مرات كثيرة عما كان يحققه في بلده فعبوة البذور التي كان يبيعها للتصدير من سورية  الى الدول المجاورة بقيمة  1 دولار  صار يبيعها هي عينها ب 50 دولار ……فقط لأنه اصبح يملك كيانا تجاريا مغطى بقوانين مرنة .

 وشاب اخر ابدع في تركيب المبيدات الزراعية الآمنة في نهاية ثمانينيات القرن الماضي في ورشته المتواضعة ايضا في ريف دمشق إلاّ ان عوامل الاحباط والمماطلة التي واجهها من بعض المسؤولين في الجهات الرسمية ( والذين  ربما لهم مصلحة في استمرار البلاد باستيراد تلك المبيدات ) خلال محاولته تسجيل المبيدات التي انتجها ، دفعته للهجرة خارج البلاد ليبدع في مختبرات شركات خارجية .

هذه الأمثلة هي عينات لكثير من الفنيين والحرفيين المبدعين والقادرين على انتاج كثير جدا من مدخلات الانتاج الزراعي وتحقيق اكتفاء ذاتي منها وفوائض تصديرية إن توفرت البيئة الحاضنة لهم ، والتسهيلات التي تحول افكارهم الى واقع ملموس ، هم لا يريدون دعما مادياً ربما ، ولا يريدون استثناءات ، فقط هم بحاجة الى عقول واعية تعيد النظر باللوائح والأنظمة الجامدة وإعادة تكوينها لتصبح محركأ يدفع الابداع للنمو والتطور ، ويولد الابتكار ويضعه في البيئة المناسبة لينمو ويزداد  بدل ان تكون مكبحاً يعطل القدرات ويلجم المبادرات . هم بحاجة الى بعض من اصحاب القرار المخلصين لوطنهم والذين يقدمون مصلحة الوطن على مصالحهم الشخصية . هم بحاجة الى ادارات منفتحة ونظيفة اليد ولا تخشى من اتخاذ قرار يحقق مصلحة الوطن.

 مراكز البحث العلمي الزراعي الوطنية انتجت كثيراً من الابتكارات وقدمت الكثير من اصناف البذار إلا أن عددا محدودا منها وجد طريقه الى التطبيق التجاري ، بسبب منظومة اللوائح التي تقيد من التشاركية بين القطاعين العام والخاص ، في حين تمتع القطاع الخاص وفي كثير من الحالات بمرونة واسعة يمكنها خدمة وتحقيق غايات القطاع العام وبأقل تكلفة ، لماذا لا يكون لدينا مؤسسات خاصة لإكثار البذار تخضع لرقابة فنية حكومية لضمان جودة منتجاتها بعيدا عن التعقيدات غير المبررة . ولماذا لا يكون لدينا شركات خاصة تقوم بإنتاج بكاكير ابقار حوامل وتبيعها للمربين بدل استيرادها او كباشا محسنة وراثيا او ماعزاً ، وشركات لإنتاج الاسمدة ، واخرى لإنتاج المبيدات الزراعية  ؟؟؟؟ اليس من الاجدى اعادة احياء صناعة الجرارات الزراعية بدلاً من صناعة تجميع السيارات السياحية ؟؟؟ الكثير من التساؤلات بحاجة الى دراسات ووضع اجابات مناسبة لها .

تذكروا جيدا ان 90% من الشركات التي نستورد منها البذار والاسمدة والمبيدات وحتى الابقار والجرارات الزراعية والمعدات والآلات هي شركات خاصة تسهل الحكومات عملها وتشجعها وتقدم لها الدعم  وتدفعها لمزيد من الابتكار والتفوق والمنافسة في الاسواق العالمية لأنها بالمحصلة  تشغل يد عاملة محلية وتصب حصيلة عملها في الاقتصاد الوطني  .

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

+ 20 = 21