يمكن لسورية أن تعود كما كان متوقعاً لها.. يابان الشرق او الهند الصغرى .. ولكن كيف ..؟

ليس الاقتصاد السوري تجارياً ولا خدمياً ولا نفطياً ولا صناعياً ولا زراعياً بحتاً .. إنه خليط معقد من هذه الأنشطة كلها

الدكتور عامر خربوطلي

د . عامر خربوطلي

العقم بمعناه العام كما هو معروف للجميع هو التراجع الشديد للخصوبة وصولاً لمرحلة عدم القدرة على الإنجاب وهو أمر غير مرغوب به ويحاول الجميع تجنبه بجميع الطرق والوسائل. هذا بالنسبة لعلم الحياة والإنسان فهل هناك ما يسمى (بالعقم الاقتصادي*) مبدئياً على مستوى المصطلحات لا يوجد مثل هذه الكلمة وغالباً ما تستخدم كلمة (الجمود الاقتصادي) وهي حالة أقل وطـأة من (العقم).

هل يمكن أن يصل اقتصاد ما أن يكون هناك إنتاجا مقبولا ولا يزداد الناتج المحلي بالشكل الذي يتناسب مع هذا الارتفاع  ولا تتحسن معدلات دخل الفرد ومستويات المعيشة بل يكون هناك تراجعا في معدلات النمو الاقتصادي، إنه أمر غير مفهوم اقتصادياً ولا علمياً !!!

الاقتصاد السوري ليس اقتصاداً وحيد الموارد فلا يمكن اعتباره اقتصاداً نفطياً رغم أن سورية كانت فيما سبق مكتفيةً ذاتياً من المشتقات النفطية وتصدر الفائض الذي لا يمكن مقارنته بالدول النفطية المعروفة، وهي ليست دولة زراعية بالشكل المطلق وتعتمد على محاصيل محددة كما باقي الدول وإنما كان لديها اكتفاءً ذاتياً من أغلب المنتجات النباتية والحيوانية وتصدر الفائض المتاح، وهي ليست دولة صناعية بالمعنى المطلوب المتعارف عليه عالمياً وإنما لديها قاعدة جيدة من الصناعات التحويلية المتنوعة حسب تنوعات المواد الأولية الخام المحلية وفي مقدمتها النسيجية والغذائية والزراعية وكانت تمتلك ميزات تنافسية في معظمها على مستوى المنطقة العربية وبعض الدول الأجنبية القريبة. وهذا ماعزز النشاط التجاري والخدمي ومع ذلك لا تسمية للاقتصاد السوري بانه تجاري ….انه ببساطة خليط شديد التعقيد من جميع هذه الانشطة و يمكن تشبيهه بالعربة التي تجرها مجموعة من الاحصنة وتتحدد سرعة العربة بسرعة الحصان الاقل اندفاعا او الابطأ

في زيارة  سريعة لمنطقة من الأطراف الشرقية لمدينة دمشق وفي أحياء شبة عشوائية وجدت المئات من الورشات والمعامل الصغيرة والتي تتزاحم مع بعضها لتشكل عناقيداً صناعية وتجارية فائقة التدبير والفاعلية في منطقة غير مؤهلة أساساً لتكون منطقة صناعية أو حرفية وكانت قبلاً أرضاً زراعية تسمى (شاغور بساتين).

صوت الآلات كان مرتفعاً أثناء هذه الزيارة وأغلب المنشآت تعمل بطاقتها القصوى وعلى أكثر من وردية على مدار اليوم والجميع يؤمن السوق المحلية من المنتجات وبعضها أصبح مصدراً للعديد من السلع الى الاسواق الخارجية  نتيجة انخفاض قيمة العملة المحلية وأصبحت منتجاتها أكثر تنافسية مما كانت عليه فيما مضى.

إنه نموذج حي لنشاط وعمل السوريين الذين لا يعرفون الكلل أو الملل.

عجلة الإنتاج تدور بصورة واضحة في أغلب المناطق السورية سواء المنظمة أو العشوائية او المدن الصناعية هذه الحيوية والنشاط والفاعلية لا ينبغي لها أن تولد (عقماً اقتصادياً) ابدا  بل يجب أن تتاح لها البيئة الحاضنة والداعمة والمشجعة خدميا وتنظيميا وتمويليا وضريبيا وتسويقيا لكي تكون في أعلى درجات (الخصوبة) وتوليد الدخل المعزز للنمو الاقتصادي ولتحسين مستويات المعيشة وزيادة الدخل الفردي وتحسين قيمة العملة المحلية.

تقول معادلة النمو الجديدة عالمياً ان النمو لا يأتي فقط من تراكم رأس المال أي من الاستثمارات سواء العامة او الخاصة  بل من الاستغلال الأمثل لعناصر الإنتاج ورفع الكفاءة الإنتاجية وتحسين مستوى الاستغلال من العمالة والتقانة وريادة الأعمال.

وجميع هذه العناصر متاحة وموجودة في الجسد الاقتصادي السوري وتتطلب فقط تناغماً أكبر بين مكوناتها وتفهماً أكبر لاحتياجات هذه الفعاليات من طاقة و تمويل وتأمين وشحن ونقل وترويج ومهارات بشرية وتقانات جديدة وأفكار ابتكارية لحل صعوبات ومشاكل هذه الورشات والمعامل والحرف وعندها فقط وضمن رؤية مستقبلية واضحة للاقتصاد السوري وأهداف محددة معلنة و بدائل سياسات أكثر تماهياً مع الواقع واحتياجاته …. في هذه الحالة سيصل التشغيل إلى حدوده القصوى وذروته ويتم الاستثمار الاقتصادي الامثل  وستزداد الثقة ويتلاشى التخوف والحذر والترقب والمراوحة غير المبررة وحدوث تيقن كامل لدى الجميع – قطاعات منتجة وحكومية –  بأن المولود الجديد من كل عمل منتج هو ملك للجميع وستعود فوائده على الجميع.

العقم الاقتصادي غير موجود في قاموس السوريين ولا في المعاجم والكتب وستعود الأموال للتشغيل والعمل في جميع الميادين وتخرج من غرف الاكتناز المظلمة والقاتلة للتطور والانتعاش وسيعظم الادخار والاستثمار من المحركات الذاتية للنمو الاقتصادي السوري، وتعود سورية كما كان متوقعاً لها ان تكون (يابان الشرق) او (الهند الصغرى ) إنه نموذج الأعمال الصغيرة ومتناهية الصغر الفريد من نوعه في سورية والذي أثبت ثباته و نجاحه ضمن مفاصل وقناعات المجتمع السوري سواء الفردي او العائلي واثبت ايضا أنه الأقدر على إعادة التموضع والانطلاق بإمكانات بسيطة تنمو وتزدهر وتتوالد ……

العيادة الاقتصادية السورية – حديث الأربعاء الاقتصادي رقم (122)

دمشق في 24/3/2021 –

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

+ 23 = 27