مدرسة لندن للاقتصاد تنشر مقالاً ثانياً لزياد غصن عن مستقبل الدعم الحكومي وسيناريوهاته المحتملة

بعد نشرها مقالي الأول، والذي حمل عنوان: “كيف تؤثر العقوبات الاقتصادية سلباً على القطاع الصحي في سوريا”.

مدرسة لندن للاقتصاد، وهي إحدى أعرق الجامعات العالمية، تنشر لي مقالاً ثانياً عن مستقبل الدعم الحكومي في سورية في ظل ضغوط تأثيرات الحرب الكارثية.

 المقال تم إعداده ونشره من وجهة نظر اقتصادية بحتة….

زياد

مستقبل الدعم الحكومي في سوريا: ثلاثة سيناريوهات متداولة

زياد غصن

مع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، يزداد اعتماد العديد من الأسر السورية على الدعم الحكومي المقدم  لعدد من السلع والخدمات الأساسية. إلا أن ذلك بات مهدداً مع القرارات الحكومية الأخيرة القاضية بزيادة أسعار السلع المدعومة، والحديث المتزايد عن إمكانية إعادة النظر ببعض أوجه ذلك الدعم. تتطرق هذه المادة  إلى واقع الدعم الحكومي في سوريا وسيناريوهاته المستقبلية.

“على الأقل سيجد أولادي القليل ليقيهم النوم جوعى”. هذا باختصار ما قالته سيدة تنتظر دورها للحصول على مخصصات أسرتها الشهرية من مادتي السكر والأرز، واللتين يجري بيعهما بسعر مخفض عبر صالات مؤسسة التجارة الحكومية. وهو حال كثير من الأسر في ظل اشتداد الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد منذ عدة أشهر نتيجة عدة أسباب أهمها: تدمير البنية الاقتصادية بفعل الحرب، الأزمة المالية في لبنان، تشديد العقوبات الغربية، تغوُّل الفساد وأمراء الحرب، والترهل الحكومي.

لكن حتى هذا الأمل البسيط، تتخوف اليوم الأسر الفقيرة وذات الدخل المحدود من ضياعه، فيما لو ذهبت الحكومة بعيداً في سيناريوهاتها المتداولة لمقاربة ملف الدعم الحكومي المقدم لبعض السلع والخدمات الأساسية. وهو تخوف له جذوره التي تعود إلى العام 2007 عندما تبنت الحكومة آنذاك مشروعاً لزيادة أسعار السلع المدعومة، بحجة ضبط الفساد والهدر الحاصلين في هذا الملف، وإعادة توجيه ذلك الدعم نحو الشرائح المستحقة له. وقد أضافت الآثار الاقتصادية الكارثية للأزمة ومضاعفاتها سبباً ثالثاً لاستمرار المضي بذلك المشروع.

ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى أن الخطة الحكومية كانت تقوم في موازنة العام 2020 على تخفيض قيمة الاعتمادات المالية المخصصة لبند الدعم الاجتماعي (مساهمة الدولة في تثبيت أسعار بعض السلع والخدمات الرئيسية) من حوالي 811 مليار ليرة في موازنة العام 2019 إلى حوالي 373 مليار ليرة في موازنة العام الحالي، أي بما نسبته حوالي 54%، إلا أن المؤشرات الأولية للإنفاق على البند المذكور، تؤكد أن الحكومة قد تتجاوز حدود تلك الاعتمادات، وذلك تحت ضغط الانخفاض الحاد الذي شهده سعر صرف الليرة خلال هذا العام. وهذا ربما أيضاً ما جعل الاعتمادات المالية المخصصة للدعم الاجتماعي في موازنة العام القادم، تقفز بنسبة غير مسبوقة وصلت إلى حوالي 838% مقارنة باعتمادات العام الحالي، لاسيما الدعم المقدر للمشتقات النفطية، والذي ارتفعت قيمة اعتماداته وفق مضمون البيان المالي المقدم من الحكومة إلى مجلس الشعب من 11 مليار ليرة في موازنة العام 2020 إلى 1500 مليار ليرة في موازنة العام 2021، كذلك الأمر بالنسبة إلى الدعم المقدر للدقيق التمويني والخميرة الأساسي في توفير الخبز، والبالغ في موازنة العام الحالي 2021 حوالي 700 مليار ليرة، بعد أن كان بحدود 337 مليار ليرة في موازنة العام الماضي. كذلك الحال بالنسبة إلى اعتمادات صندوق المعونة الاجتماعية التي ارتفعت من 15 مليار ليرة في عام 2020 إلى 50 مليار ليرة في عام 2021، وصندوق الدعم الزراعي من 10 مليارات ليرة إلى 50 مليار ليرة.

وهذه ليست المرة الأولى التي تتباين فيها اعتمادات الدعم بين عام وآخر، فقد شهدت سنوات الحرب تباينات مشابهة، وإن كانت نسبتها أقل. مع الإشارة إلى أن اعتمادات الدعم لم تكن قبل العام 2012 تظهر في الموازنة العامة للدولة بشكل مستقل وواضح، لكن عملياً يمكن القول إن مقاربة الاعتمادات المخصصة سنوياً للدعم مع المتغيرات التي طرأت على سعر الصرف، يظهر الانخفاض المستمر للقيمة الفعلية لهذا الدعم، هذا في مرحلة كانت تشهد تدهوراً في الاوضاع الاقتصادية والأحوال المعيشية لغالبية السوريين، بدليل مؤشرات المسوح الثلاثة للأمن الغذائي، التي نفذتها الحكومة السورية بالتعاون مع برنامج الغذاء العالمي خلال السنوات 2015-2017-2019 والتي أظهرت أن ثلث السوريين تقريباً يعانون من انعدام أمنهم الغذائي، وأن حوالي النصف معرضون لفقدان أمنهم الغذائي .

*السيناريوهات المتداولة

على وقع النقص الشديد في الكميات المتاحة في الأسواق المحلية من البنزين والخبز، وما سببه ذلك من طوابير بشرية غير مسبوقة في المحافظات السورية، رفعت الحكومة في شهر تشرين الأول من العام الماضي السعر المدعوم للمادتين وبنسبة وصلت إلى 100% متجاوزة ما كانت تعتبره بالنسبة إلى الخبز خطاً أحمر، وهذا ما زاد مخاوف السوريين من قرارات أخرى مشابهة طالما أن المبررات التي استندت عليها اللجنة الاقتصادية الحكومية في توصيتها المتضمنة زيادة أسعار بعض السلع المدعومة، لا تزال مستمرة. إذ إن وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك كانت قد بررت في خبر نشرته وكالة الأنباء الرسمية (سانا) رفع سعر مادة البنزين “بالتكاليف الكبيرة التي تتحملها الحكومة لتأمين المشتقات النفطية وارتفاع أجور الشحن والنقل في ظل الحصار الجائر الذي تفرضه الإدارة الأميركية على سورية وشعبها”.

عملياً هناك ثلاثة سيناريوهات متوقعة لمستقبل الدعم الحكومي، وذلك استناداً إلى طبيعة الإجراءات الحكومية المتخذة منذ العام 2008 لمواجهة تزايد أعباء نفقات الدعم، تحليلات بعض الاقتصاديين والأكاديميين الداعية إلى إعادة النظر جذرياً بآليات الدعم، والأهم هو إسهام الحرب في رفع الحصانة عن الملف، بدليل رفع أسعار مادة الخبز أربع مرات خلال عقد الحرب. والسيناريوهات الثلاث هي:

– الأول :

يتمثل في استمرار السياسة الحالية القائمة على ضبط عمليات الاستهلاك والتوزيع للسلع والخدمات المدعومة، كحصر توزيع معظم السلع المدعومة بالبطاقة الإلكترونية الممنوحة لكل عائلة وتبعاً لمعايير محددة، مع بقاء الباب مفتوحاً لإمكانية رفع أسعارها للتخفيف من قيمة فاتورة الدعم المتزايدة سنوياً، واستثمار بعض الوفر المتحقق لدعم شريحة موظفي الدولة ومتقاعديها. كما حدث مؤخراً عند زيادة سعر مادة البنزين، إذ تشير التقديرات الأولية إلى أن الإيراد المتحقق من تلك الزيادة يبلغ سنوياً أكثر من 360 مليار ليرة، خصص منها حوالي 226 مليار ليرة لتوزيع منحة مالية على دفعتين، حيث منح العاملون في مؤسسات الدولة مبلغاً مقطوعاً قدره 50 ألف ليرة في كل مرة، و40 ألف ليرة للمتقاعدين.

معطيات هذا السيناريو تجعله يتقاطع مع مضمون التصريحات الرسمية، والتي كان آخرها ما قاله وزير المالية منتصف شهر كانون الأول الماضي أمام مجلس الشعب، ونشرته وسائل إعلام محلية من أن “رفع الدعم عن الكهرباء باعتقاد الحكومة أمر مستحيل”. لكنه في المقابل أكد أنه تم “البدء بالبنود والعناصر التي يمكن تخفيف الدعم عنها مثل الخبز والمشتقات النفطية برفع أسعار البنزين والمازوت الصناعي” .وهذا سيكون له انعكاسات سلبية على حياة الأسر الفقيرة وذات الدخل المحدود، وعلى النشاط الإنتاجي. وحسب الدكتور فؤاد اللحام أمين سر جمعية العلوم الاقتصادية، فإن “رفع أسعار المحروقات الأخير أضاف أعباء جديدة على الصناعة، لأن سعر المحروقات جزء هام من تكاليف الإنتاج. وتزداد المشكلة خطورة عندما يتم ذلك في ظل جمود الأسواق الداخلية والخارجية، وهذا ما أدى ويؤدي إلى التوقف الجزئي أو الكلي لأعداد متزايدة من المنشآت الصناعية، وبالتالي الإحجام عن الاستثمار الصناعي في الوقت الراهن”.

-السناريو الثاني:

استبدال الدعم ببدل نقدي يقدم لكل أسرة، وهو من أكثر الطروحات التي يجري تداولها من قبل بعض السوريين، لا بل إن وزير المالية كنان ياغي لم يستبعد بحسب ما جاء في مجلة المشهد الإلكترونية إمكانية دراسة رفع جزء من دعم الخبز والمشتقات النفطية وتوزيع الإيرادات المتحققة منها على المواطنين عبر زيادة الرواتب. وهذا ما يذهب إليه أستاذ الاقتصاد في جامعة حلب الدكتور حسن حزوري، والذي يرى “ضرورة الاستمرار بالدعم مع إصلاح آلياته الحالية ووصوله إلى مستحقيه، والانتقال التدريجي من دعم السلع إلى دعم الأفراد والأسر نقدياً، ومن خلال شبكات حماية اجتماعية فعالة للطبقات الفقيرة، وعبر وضع معايير وضوابط دقيقة”. وهو ما يؤيده أيضاً الباحث الاقتصادي الدكتور فادي عياش عبر “تحويل الدعم الاجتماعي من الدعم المادي إلى الدعم النقدي، سواء من خلال الرواتب والأجور أو بطاقات الائتمان عبر حسابات مصرفية أو حتى عبر البطاقة الذكية، ووفق معايير محددة تراعي التوزع الجغرافي التنموي والنشاط الاقتصادي والمؤشرات الديمغرافية وغيرها”. إنما ما يخيف في هذا السيناريو يتمثل في إمكانية إيقاف الحكومة للدعم النقدي في أي وقت، وفي عجز الدعم النقدي عن مواكبة معدل التضخم الذي قد يتسارع مع تحرير أسعار بعض السلع المدعومة حالياً، وهذا ما تخوفت منه دراسة نشرها المرصد العمالي للدراسات والبحوث التابع للاتحاد العام لنقابات العمال، وحملت عنوان “الخبز في زمن الحرب: أزمات وسيناريوهات متعددة”.

-أما السيناريو الثالث:

 فيتلخص كما يذكر الدكتور عياش في “تحويل الدعم الإنتاجي من دعم المدخلات إلى دعم المخرجات وفق محددات كمية وفنية بما يكفل جدوى الدعم وتحقيق الغاية منه دون هدر. مثل دعم المحاصيل الاستراتيجية عند تسليم المحصول وفق الشروط المطلوبة كماً ونوعاً”. وهذا سيناريو تطبقه العديد من الدول، ويمكنه أن يحد في الحالة السورية من قضايا الفساد والهدر ويشجع على إنتاج السلع والمواد المراد التوسع فيها حالياً، إلا أن تطبيقه يحتاج إلى قاعدة بيانات ومعلومات واسعة وصحيحة، وهو غير متوفر حالياً لأسباب كثيرة منها وجود مساحات زراعية هامة خارج سيطرة الدولة، وتضرر البنية التحتية لمؤسسات الدولة وفروعها في المناطق، وخروج بعضها من الخدمة بسبب الحرب.

*الأفضل

اضطرت الكثير من الأسر السورية تحت ضغط الغلاء وتدني الدخل إلى تغيير عاداتها الغذائية، وتقليص إنفاقها على الغذاء إلى الحدود الدنيا، لدرجة أن بعضها إما تكتفي بوجبة طعام واحدة في اليوم أو يكون خيارها هو الخبز مع الشاي المحلى بالسكر. ولهذا فإن أي قرار يتعلق بمستقبل الدعم الحكومي، سوف يمس ما تبقى من لقمة عيش ملايين السوريين المصنفين أممياً تحت خط الفقر. وضمن هذا الفهم، يرى الدكتور اللحام أن المطلوب “في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها المواطن والاقتصاد السوري، ليس إلغاء الدعم أو خفضه بل معالجة موضوع استغلال وإساءة استخدام الدعم المقدم لمختلف الجهات، والبحث عن موارد بديلة، وفي مقدمتها تطوير الإنتاج الزراعي والصناعي ومكافحة التهريب والتهرب الضريبي”. 

رابط المقالة في مدرسة لندن للاقتصاد

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

71 − = 70