جديد 4E

المهم تحقيق أهداف تحسين الدخل أولاً وأخيراً .. والتوازن قد لا يكون الأفضل

التــــــوازن الاقتصـــــــادي

كتب الدكتور عامر خربوطلي :

الدكتور عامر خربوطلي

قد يبدو (التوازن) بمفهومه العام أمراً إيجابياً ومطلوباً ولكن عندما يصبح تحقيق التوازن هدفاً جامداً بحد ذاته لا وسيلة لتحقيق أهداف أكبر يصبح التوازن في هذه الحالة معرقلاً وغير أساسي، فما معنى أن تتحقق جميع التوازنات الاقتصادية ومستوى المعيشة والدخل في انحدار مستمر وما معنى التمسك بأسعار صرف غير حقيقية ولا تعبر عن حرارة الاقتصاد وقوى العرض والطلب الحقيقية..؟

التوازن الاقتصادي عموماً هو الوضع الذي يتيح فيه تناسب المكونات الإجمالية لتحقيق التصحيح الملائم للتدفقات وثباتاً في الأسعار وتشغيلاً للآلية الاقتصادية إنه الحالة الاقتصادية والمالية التي تتفاعل فيها قوى جزئية وكلية إذا ما توافرت شروط وظروف محددة ويمكن أن يؤدي عدم استمرار أحد هذه الشروط أو نقصها أو زيادتها مع ثبات غيرها إلى خلل من خلال العلاقات أو التأثيرات المترابطة بين الوحدات الاقتصادية في الاقتصاد الوطني وقد يطول أجل هذا الخلل أو يقصر إلى أن تحدث عوامل مضادة تعمل في عكس الاتجاه.

والمفارقة هي أن التوازن هو أحد المفاهيم الأكثر عرضة للجدل في علم الاقتصاد وهذا يعود إلى كون كل وضع اقتصادي متوازناً ببعض المعايير وغير متوازن بمعايير أخرى فالأمر يتوقف على الزاوية المنتقاة من المحلل الاقتصادي فتوازن الاستخدام غير الكامل يتناول وضعاً تتحقق فيه مساواة بين العرض والطلب للسلع النهائية مع الاستمرار في وجود فائض في العرض في سوق العمل (البطالة) كذلك فإن حالة التضخم مع التوازن هي الحالة التي ينعكس فيها تعادل العرض والطلب الإجمالي ليس بثبات الأسعار بل بارتفاعها (الضغوط التضخمية التي تظهر في بعض القطاعات تتجاوز الضغوط الانكماشية في القطاعات الأخرى).

وللتوازن ثلاثة معاني أساسية:

– التوازن بوصفه حالة موازنة قوى وهو المفهوم التقليدي أو (السكوني) للتوازن (المساواة بين العرض والطلب في سوق ما، المساواة بين الاستثمار والادخار وغير ذلك).

– التوازن بوصفه حالة استراحة لنظام أو لجزء من نظام خاضع تبعاً لذلك لوضع استقرار فمن هذه الزاوية إن كل عدم توازن في سوق ما – أي كل وضع يتحقق فيه فائض في عرض أو طلب بصورة مستمرة- هو وضع توازن إذا ما استمر في الزمن.

– التوازن بوصفه حالة تتحقق فيها جميع التوقعات التي تتناول المتغيرات الاقتصادية الأساسية.

ويُطلق تعبير الدخل القومي عادةً على دخل مجموع الأفراد والجماعات التي تسهم في النشاط الاقتصادي فإذا ما تم استهلاك الدخل كاملاً في اقتصاد ما يمكن عندئذٍ القول بأن الاستهلاك يساوي الدخل القومي.

ولأن هناك أفراداً يقومون بالادخار في أي اقتصاد كان فإن الدخل القومي يساوي مجموع الاستهلاك والادخار.

استناداً إلى ما تقدم يتبين أن الاستهلاك هو أحد الأجزاء المكونة للدخل القومي وهو يزداد بازدياد الدخل وبتعبير آخر هو تابع من الدرجة الأولى للدخل القومي ومن جهة أخرى تُعرف النزعة الهامشية للادخار بأنها نسبة تزايد الادخار إلى نسبة تزايد الدخل ويوظف في الاقتصاد المتطور لدى مؤسسات مالية تقوم بإقراضه إلى مستثمرين فالمستثمر حين يرغب باستثمار مبلغ معين ينبغي له إيجاد مبلغ مدخر مكافئ.

وهكذا يمكن تعريف التوازن في الاقتصاد الوطني بأنه: التوافق بين قرارات الوحدات الإنتاجية وقرارات الوحدات الإنتاجية الإنفاقية.

ولكي يتحقق التوازن ينبغي أن تكون نفقات الاستهلاك والادخار في نهاية المدة مكافئة لقرارات إنتاج سلع الاستهلاك وسلع الاستثمار في بداية المدة وفي هذه الحالة فإن الإدخار كله يستثمر فليس للشركات أن تقوم بإنشاء أي مخزون لا إرادي كما لن يكون هناك أي فائض في الطلب في أي من الأسواق وهناك شرط إضافي تم إدخاله في الاقتصاد النقدي يتناول المساواة بين عرض النقد والطلب عليه إذ لا يكون هناك أي فائض في الطلب على النقد.

فالسياسات الاقتصادية المعاصرة لا تقترح تحقيق نمو اقتصادي بأي ثمن كان ولا تحقيق استخدام كامل كذلك بل هي تسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف في آن واحد:

– نمو الناتج المحلي الإجمالي بأعلى نسبة ممكنة.

– الاستخدام الكامل للقوى العاملة.

– استقرار الأسعار.

– توازن ميزان المدفوعات.

لذلك جاء ما يسمى بسياسة (النمو المتوازن) التي ترتكز على عدد من المبادئ من أهمها:

1. ضرورة تحقيق نمو الناتج بعد الأخذ بالحسبان التزايد السكاني ولاسيما تزايد القوى العاملة بنسبة تؤدي إلى رفع مستوى المعيشة وزيادة الدخل الفردي.

2. ضرورة وضع القواعد الناظمة لتطور الناتج الإجمالي عن طريق التركيز على التوسع الاقتصادي الإنتاجي العميق.

3. ضرورة الحفاظ على مستوى مرتفع للاستخدام مع ضمان انتقال العمل وتوزيعه بسحب الإنتاجية النسبية لمختلف فروع الاقتصاد.

4. ضرورة القضاء على الضغوط التضخمية الناجمة عن وجود طلب فعلي شديد الارتفاع.

5. ضرورة تحقيق معدل نمو داخلي ينسجم مع توازن ميزان المدفوعات.

6. ضرورة تحقيق توزيع عادل للناتج المحلي على جميع الأفراد والمناطق.

ما يهمنا في الاقتصاد السوري هو أمر شديد الأثر والأهمية يتمثل في تطبيق السياسات المالية والنقدية والاستثمارية والتجارية المطلوبة لتحقيق النمو المتوازن بأقل قدر من الخسائر وأن يتم ذلك بعد تحليل اقتصادي معمّق للبنية التشغيلية للاقتصاد السوري وموارده المتاحة واحتياجات تطوره وإتباع وصفة للسياسات الاقتصادية متناسبة مع كل حالة يمر بها هذا الاقتصاد وأن لا يكون التوازن هدفاً جامداً لأنه في بعض الأحوال قد يكون عدم التوازن هو الحالة الأفضل فالمهم تحقيق أهداف تحسين الدخل أولاً وأخيراً.

دمشق في 3/2/2021.

العيادة الاقتصادية السورية – حديث الأربعاء الاقتصادي – رقم 115

( التوازن الاقتصادي )

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

4 + 3 =