أعيدوا الى الزراعة ألقها ..وأعيدوا التفكير في استراتيجيات التنمية الزراعية والريفية

كرامتنا بإنتاجنا ….عودوا الى الريف واصنعوا طعامكم وطعامنا بيدكم المباركة  …

رغيف خبز التنور البيتي افضل من كل خبز المدن  …ونكهة البيضة البلدية الذ من كل بيض المداجن ..

الاستراتيجية الحاسمة هي إعادة رسملة الزراعة والاستثمار بشكل أكبر في هذا القطاع

احداث قناة تلفزيونية زراعية متخصصة تساهم في اكمال حلقة الجهود الحكومية للتنمية الزراعية

السلطة الرابعة – المهندس عبد الرحمن قرنفلة

لم يستنكف أفراد أعلى طبقات المجتمع العربي في العصرين الأموي و العباسي عن العمل بأيديهم في زراعة الأرض، في حين كان غيرهم من الأمم يحقرها ويعدها عملًا مهيناً . و قام علماء الزراعة العرب آنذاك بتأليف وكتابة كتب إرشادية زراعية ، وانتشرت الكثير من المدارس الزراعية في مختلف المناطق العربية ، وظهر علماء كبار مثل ابن البيطار أعظم عالم نبات في القرون الوسطى وابن الرومية الحجة في علم النبات بالأندلس ، والدينوري شيخ النباتيين العرب ، والجاحظ  عالم الحيوان ، والقزويني ، والأصمعي ، وموفق الدين البغدادي الذين كتبوا في علم الحيوان وطباعه وتشريحه

انقلاب سلبي للمفاهيم تجاه العمل في الزراعة

حتى ستينيات القرن الماضي تحفظ ذاكرتنا ان هدايا ابناء الريف خلال زياراتهم الى اقربائهم أو أصدقائهم بالمدن كانت فرصة لحمل بعض من المنتجات الريفية من بيض بلدي او كشك او شنكليش وبرغل وفريكة بلدية ، وربما سمن عربي وجبن وغيرها من منتجات الالبان ، أو خبز تنور وبعض الزيت البلدي والتين المجفف والزبيب وغيرها من منتجات الريف ، وهي هدايا قيمة جدا لدى الطرفين بغض النظر عن قيمتها المادية ، حيث دأبت الاسر الريفية آنذاك على الاحتفاظ ببعض من منتجات ارضها وفق ما نسميه بمونة البيت الذي يكفل لها امنها الغذائي . ولم تكن ثقافة اصطحاب المنتجات الزراعية من المدن الى الارياف ظاهرة إلا بحدود ضيقة جداً .

إلا أن التطور السلبي الذي طرأ على مجتمعاتنا قلب مفاهيمنا رأسا على عقب وأصبح الريف يتكئ على المدينة لتأمين رغيف الخبز وبيض المداجن ولحم الفروج واللبن المبستر والجبن المصنوع من الحليب المنزوع الدسم والمجفف والمواد الغذائية المغشوشة ، علما ان نكهة رغيف خبز التنور المصنوع على نار الحطب الذ مليون مرة من خبز المخابز الآلية

وطعم البيض البلدي وقيمته الغذائية تفوق بمرات بيض المداجن ومذاق الزيت البلدي من ناتج عصر زيتون ارض العيلة افضل من كل زيوت العالم .

ولحسن الحظ لا تزال بقايا من تلك العادات موجودة في مجتمعنا وكثير من سكان المدن ذوي الاصول الريفية لا يزالون حتى اليوم يعودون الى قراهم الاصلية ايام مواسم المونة ليحجزوا حصصهم من المنتجات الريفية النظيفة والنقية والغنية بقيمتها الغذائية والخالية من الغش والمصنوعة بايديهم . ولا زلت شخصيا استنجد ببعض اصدقائي من ابناء الريف لشراء بعض المواد الغذائية التموينية من رب بندورة ودبس رمان ومعجون الفليفلة من يد الفلاح مباشرة ففيها كل البركة والنقاء والنظافة .

يد الفلاح المنتجة هي العليا :

حتى عهد قريب كان العمل بالأرض والزراعة في مجتمعنا عمل نبيل ، ومصدر فخر واعتزاز لكافة الاجيال من ابناء الريف ، فكل الحضارات القديمة والحديثة قامت على الزراعة ولا تزال الزراعة تشكل المحور الاساس في اقتصاديات امريكا وأوروبا وروسيا والصين حتى يومنا الحاضر ، ولا يزال العامل في الزراعة في الدول المتطورة يحظى بأعلى درجات الاحترام بين افراد المجتمع لأنه هو من ينتج لهم الغذاء والكساء والدواء . وفي بلدنا يجب ابتكار سياسات تضمن للفلاح دخلاً مستقرا لا يقل عن مستوى دخل اعلى مستوى وظيفي في الدولة حتى يتابع نشاطه في امدادنا بمقومات استمرار حياتنا . وهنا يجب التركيز على تامين الموارد من المنتجين الزراعيين انفسهم من خلال تشكيل صناديق ادخار يتم تمويلها من قبل المزارعين وتدار بمعرفتهم وفق اطر قانونية ووفق ما هو معمول به في الدول المتقدمة في هذا الاطار .

كرامتنا بانتاجنا الذاتي :

لقد صدمتني طوابير المواطنين على كوات المخابز ، وأرعبتني بعض القصص التي توحي بحجم المعاناة وربما الضرر الذي يصيب المواطنين في تلك الطوابير فبعضهم تعرض للضرب وبعضهم لضرر جسدي خلال التزاحم للحصول على رغيف الخبز ، ولعل التدقيق في هذه الظاهرة يثبت ان نسبة واسعة جدا من أبناء الريف اصبحت تعتمد على المخابز في تأمين حاجتها من الخبز بعد ان اندثرت او تكاد عادة تحضير الخبز البيتي من اريافنا . هذا الواقع اعادني بالذاكرة الى مطلع ثمانينيات القرن الماضي عندما كنت اعمل باحثا في البحوث العلمية الزراعية وكانت طبيعة عملنا تقتضي زيارة المزارعين في البوادي والارياف البعيدة في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة وحلب وحماه وجبال الساحل وغيرها من محافظات القطر برفقة بعض الاعلاميين الذين كانوا يتابعوا بشغف اخبار الريف وأنشطة البحث العلمي الزراعي ويتحملون معنا مشاق السفر بوسائط نقل حكومية غالبا ما كانت تفتقر الى الحد الادنى من عوامل الرفاهية ، وينقلون بأمانة وصدق معاناة الفلاحين ويستعرضون جهود الباحثين الزراعيين ، وكانت المتعة الكبيرة في رحلاتنا المتعبة جدا تلك هي دقائق التوقف على الطرقات بين القرى وتناول بعض ارغفة الخبز الطازج الذي تجود علينا به بفرح غامر وكرم اصيل واعتزاز لامثيل له تلك الفلاحة النشيطة التي تصنعه على نار الحطب . او ربما افطار شهي نشارك به اسرة فلاحية او بدوية يتضمن منتجات طازجة من بيض بلدي وخضار ولبن وجبن وغيره .

ادرجوا التعليم الزراعي في المناهج المدرسية

لقد كان ريفنا ولا يزال منبعا للخير والعطاء إلا ان المفاهيم تجاه العمل بالزراعة تبدلت باتجاه سلبي وعلينا صياغة إجماع أقوى بشأن الإجراءات اللازمة لمنح الزراعة مكانتها اللائقة ،ومطلوب من الوزارات والمؤسسات الحكومية والمنظمات الشعبية ومنظمات المجتمع المدني المعنية العمل على ربط الماضي الزراعي بالحاضر المعاصر ، ونشر الثقافة الزراعية في المجتمع  ، وحث وتشجيع الأجيال الشابة ، على العمل في أهم مجالات بقاء الإنسان وتطوره ، والعمل بالزراعة وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الطعام  ، وادراج التعليم الزراعي في المناهج المدرسية وإعادة مفهوم الحدائق المدرسية الى مدارس الارياف على الاقل لتربط ابناء الريف بأراضيهم فهم محور حياة المجتمع. وعلى وزارة الاعلام احداث قناة تلفزيونية زراعية متخصصة تساهم في اكمال حلقة الجهود الحكومية للتنمية الزراعية . وهذه المبادئ طالبنا بها منذ سنوات عبر وسائل اعلامنا المختلفة.

ارقام مفزعة تقرع ناقوس الخطر :

بيانات المكتب المركزي للإحصاء ( التوزع النسبي للمشتغلين حسب النشاط الاقتصادي للأعوام 2001-2014 (   تشير الى تراجع نسبة المشتغلين بالزراعة في سوريا من 30 % عام 2001 الى 13 % عام 2011 والى 6.8 % عام 2014 . وهذا يعكس عمق انقلاب المفاهيم لدى مجتمعنا بشكل عام والمجتمع الريفي بشكل خاص  تجاه العمل في مجال حيوي يعتبر من اهم مقومات الحياة ، واذا استمر الوضع على ما هو عليه لن يبقى من يزرع لنا وينتج لنا الطعام والكساء .

أعيدوا التفكير في استراتيجيات التنمية الزراعية والريفية

لا يمكن تحقيق تقدم كبير في تعزيز النمو الاقتصادي والحد من الفقر وتعزيز الأمن الغذائي في بلدنا دون الاعتماد بشكل كامل على القدرة الإنتاجية الكامنة للزراعة السورية ومساهمتها في التنمية الاقتصادية الشاملة. فلدينا إمكانات زراعية هائلة غير مستغلة لمواجهة هذه التحديات ، مع وجود مجال كبير لاستخدام أكثر فعالية للموارد وزيادة الإنتاجية. والتقدم هنا أمر حاسم على ثلاث جبهات : زيادة الإنتاجية والقدرة التنافسية واستدامتها ؛ تنويع الإنتاج والتجارة ؛ وتحسين الوصول إلى الأسواق الخارجية ويجب أن تكون الاستراتيجية الحاسمة هي إعادة رسملة الزراعة ، والاستثمار بشكل أكبر في هذا القطاع وفي برامج تطوير البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية الريفية . يجب توجيه الاستثمار العام بشكل خاص نحو تعزيز البحوث العلمية الزراعية والإرشاد الزراعي ، وتحسين الوصول إلى الخدمات المالية ، وتوفير حوافز الاستثمار ، وزيادة وصول الفقراء إلى خدمات الدعم والموارد الإنتاجية

وربما نحن بحاجة كبيرة الى تصميم وتنفيذ ومراجعة مستمرة لسلسلة من التدابير ذات الأولوية والمحددة التوقيت بعناية والضرورية لتعزيز الاستثمار في الزراعة:

1.الحفاظ على سياسات اقتصادية كلية وتجارية سليمة ومستقرة تشجع الاستثمار في الزراعة ؛ وضمان توافر المدخلات الأساسية والتمويل المنظم للسلع الأساسية .

2. تعزيز رأس المال البشري في المناطق الريفية من خلال خدمات الصحة والتعليم و الوصول إلى الموارد الإنتاجية ؛ وتيسير نقل التكنولوجيا وتدفق الاستثمار الأجنبي المباشر الذي من شأنه تحسين الإنتاجية الزراعية والقدرة التنافسية .

3. إنشاء بيئة مؤسسية قوية تعمل على تحسين الوصول إلى الأسواق ، وتضمن نشر المعلومات ، وتضع المعايير وتوفر إطاراً قانونياً وتنظيمياً ملائماً .

4. تطوير التسويق وتحسين شروط التجارة ، /البنية التحتية للنقل والاتصالات / لدعم وصول المزارعين إلى رأس المال والمدخلات الموسمية وطويلة الأجل ، وتزويدهم بحوافز سعرية قوية ؛ والمساعدة في تطوير جودة المنتج ومعايير ما قبل الإنتاج وما بعده

5. حماية الموارد الطبيعية والقدرة البيئية

وعلينا ان ندرك ان النظام الغذائي والزراعي القوي والحيوي يشكل ركيزة أساسية في استراتيجية النمو الاقتصادي الشامل والتنمية.

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

40 − 30 =