إجراءات متناقضة تعطل بعضها في تسويق الحمضيات .. ودرسٌ في براعة التسويق عن الرئيس الراحل حافظ الأسد

دعم كبير نراه اليوم للتصدير والتسويق المحلي .. ودعم أكبر للإحجام عن التسويق والاستهلاك..!

علي محمود جديد

هجم موسم الحمضيات كالعادة في هذه الأيام، وبدأت المشكلة المزمنة تلوح على أبواب الأسواق، وفي ميادين بيارات الليمون والبرتقال وآفاقها، المشكلة التي نعرفها جميعاً والمتمثلة بعثرات التسويق أمام تباطؤ الاستهلاك في الوقت الذي تجتمع فيه العديد من العوامل الأخرى التي تلعب دورها في عرقلة التسويق، الأمر الذي يبدد الكثير من الجهود الحكومية المبذولة في إطار إنجاح عملية التسويق.

تناقض الإجراءات

المشكلة في هذا المنحى أن الحكومة تبذل جهوداً كبيرة وتدفع تكاليف غير قليلة من أجل إنجاح تسويق موسم الحمضيات وبأسعار تشجع الفلاحين على المزيد من الاهتمام بهذا المنتج والاستمرار بالعناية فيه، فمن أجل موسم هذا العام الذي قُدّر إنتاج الحمضيات فيه / 788 / ألف طن، كشف مجلس الوزراء يوم أمس عن اعتماده خطة تسويق لهذا المحصول وتحديد أدوار الجهات المعنية لناحية تأمين مستلزمات عملية التسويق من آليات ومحروقات وتطوير عمل مراكز الفرز والتوضيب على أن تقوم السورية للتجارة باستجرار أكبر كمية ممكنة من الإنتاج من خلال التعاقد المباشر مع الفلاحين وقد وافق المجلس على منح المؤسسة السورية للتجارة سلفة بقيمة مليار ليرة لتأمين تسويق الموسم بما يحافظ على توازن سوق الحمضيات ويلبي مصلحة الفلاح من جهة وتأمين متطلبات المستهلك من جهة أخرى، ومع هذا الاهتمام نجد بالمقابل اتخاذ بعض الإجراءات المتناقضة التي تقوم بضرب تسويق الحمضيات بشكلٍ كبير.

حافظ الأسد وتسويق الكرز اليوغسلافي

قبل الخوض في مخاطر هذه الإجراءات سأورد لكم حديثاً تناقله بعض الرفاق الذين حضروا في أحد المؤتمرات لحزب البعث العربي الاشتراكي، وكان الرئيس الراحل حافظ الأسد حاضراً، والنقاش يدور عن تسويق المحاصيل الزراعية، فقال الرئيس الراحل : ( سأورد لكم حادثة حصلت معي في يوغسلافيا، حيث كنتُ في زيارة رسمية هناك، وأثناء مأدبة الغداء لاحظتُ أن على الطاولة صنفاً واحداً من الفواكه وهو ” الكرز ” وقد استغربتُ ذلك لأنه في مثل هذه المآدب تُقدّم عدة أصناف من الفواكه حتى يكون الضيف أمام خيارات متعددة، دون أن يجد نفسه أمام خيار واحد، ولكنني لم أسأل عن السبب، في هذه الأثناء همس الرئيس ” جوزيف بروز تيتو ” في أذني قائلاً : نحن آسفون لتقديم صنف واحد من الفواكه، لأن هذه الأيام هي أيام موسم الكرز اليوغسلافي، فنحن نقدم على موائدنا صنف الفواكه حسب الموسم كي لا نؤذي الإنتاج المحلي ونساهم بشكل غير مباشر بتسويقه جيداً )

هذا درس حقيقي للعناية بالمواسم واحترام الإنتاج الوطني وضمان التسويق فعلاً، وهو إجراء غير مباشر يؤثّر إلى حدّ كبير في تسويق المواسم ، ولكننا نحن اليوم ماذا نفعل ..؟

استيراد الموز

في مثل هذه الأيام من كل عام تغرق الأسواق السورية بالموز المستورد، والكل صار يعلم أن هذا الإجراء يؤثر بشكل كبير على تسويق الحمضيات، لأن توفّر الموز يبدد رغبة المستهلكين في تناول الحمضيات، لأن المستهلك يصير أمام خيارات عديدة سوف يقوم باختيار الأفضل تبعاً لوجهة نظره، وباعتبار أن مزمار الحي لا يُطرب فإن الاختيار الأكبر سيقع على الموز، على الرغم من الفوائد العظيمة التي توفرها الحمضيات لجسم الانسان في هذه الفترة من السنة، فالمعروف أن الحمضيات هي الأغنى بالفيتامين ( c ) الذي يعتبر من أكثر العناصر قوة في مكافحة الرشح والزكام الذي يتزايد كثيراً في هذه الأيام الانتقالية من الصيف إلى الشتاء.

تحدثنا كثيراً وتحدث غيرنا مراراً ومراراً عن المخاطر الصحية والاقتصادية لاستيراد الموز في هذه الأيام دون فائدة، أذن من طين وأذن من عجين .. يأتي موسم الحمضيات فتبدأ عمليات استيراد الموز ..!!

الفقر والدخل الشحيح

أعتقد لا تحتاج معدلات دخل الفرد السوري إلى شرحٍ مستفيض، ولا حتى مختصر ومدى أثرها على إحجام الكثيرين عن شراء الحمضيات.

مصانع العصائر

أيضاً هنا لا داعي للشرح الطويل ولكن نقول بأن أربعة مصانع عصائر حمضيات في الأربع مدن الساحلية ( اللاذقية – طرطوس – جبلة – بانياس ) كان كفيلاً بتسويق / 200 / ألف طن سنوياً وتشغيل الآلاف من الشباب والصبايا العاطلين عن العمل، ولكن ما نفع هذا الكلام ..؟ عشرين عاماً ونحن نقدّم ونؤخّر ونراوح في مكاننا ونتردّد ولم نستطع اتخاذ قرار بإقامة مصنع عصائر واحد، والبرتقال نراه في كل عام كيف يكون مسفوحاً تحت الأشجار لا يجد من يلتقطه .. ! نعتقد أن إقامة مثل هذا المصنع كان سينفذ بسرعة هائلة لو أنه متخصص بعصائر الموز، ولكن ربما تكون العلة هنا بالموز الذي ربما غير قابل للعصر.

دعم التصدير

بالمقابل فإن الحكومات السورية المتعاقبة كانت ولا تزال تولي شأن التصدير اهتماماً جيداً، وتقدم العديد من المحفزات للمصدرين، وقد أعلن مجلس الوزراء يوم أمس عن اتخاذ إجراءات فاعلة لتصدير الكميات الفائضة عن حاجة السوق المحلية إلى الأسواق الخارجية، حيث سيتم تنفيذ برنامج الاعتمادية وتطويره ليكون المنتج السوري مطابقاً للمواصفات ومنافساً في الأسواق الخارجية إضافة إلى تسهيل التسويق من خلال تأمين الآليات والمحروقات اللازمة ومتطلبات مراكز التوضيب كما سيتم وضع سعر استرشادي لشراء الحمضيات يكون مؤشراً للتدخل كما تم إعفاء آليات نقل الحمضيات من أي نفقات سواء أثناء التصدير أو خلال شراء المحصول من مناطق زراعته.

وكانت رئاسة مجلس الوزراء قبل ذلك قد أصدرت قراراً بتمديد العمل بقرار تخفيض البدلات المترتبة على المنتجات الزراعية المصدرة ذات المنشأ السوري بنسبة 75% من التعرفة المرفئية المحددة بقرار مجلس الوزراء رقم 3697 لعام 2015 ولمدة عام ميلادي واحد، اعتباراً من تاريخ 1 / 10 / 2020 وحتى تاريخ 1 / 10 / 2021م 

وفي 2016، أقر “مجلس الوزراء” أيضاً تخفيض البدلات المرفئية على المنتَجات الزراعية المصدّرة من “مرفأ اللاذقية” 75%، بهدف تشجيع التصدير بعد تخفيض بدلات المناولة المرفئية ورسوم الموانئ 50% لصادرات الحمضيات.

هذا القرار يمدد للسنة الخامسة وهو خاص بالتصدير البحري، ويعتبر من القرارات الهامة لدعم الصادرات الزراعية مستهدفاً الحمضيات بشكلٍ أساسي، حيث يوفر على كل حاوية 300 دولار، وهذا الرقم ينعكس بشكل إيجابي على المنتِج وعلى المصدّر فهو يساهم بتحقيق المنافسة في الأسواق الخارجية.

أخيراً

على الرغم من الاهتمام الحكومي البالغ الذي نراه جميعاً من أجل تسويق أفضل وناجح لموسم الحمضيات، هناك بالمقابل إجراءات معاكسة متخذة على الأرض وغير متخذة تساهم إلى حد كبير في عرقلة تسويق الحمضيات، ومن أبرز هذه الإجراءات المعاكسة والمتناقضة السماح باستيراد الموز كإجراء متخذ، وعدم السماح بإقامة مصانع عصائر الحمضيات كإجراء غير متخذ .. وحلّها إذا بتحلها .. !!

سيريا ستيبس / السلطة الرابعة

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

54 − 53 =