بتوقيع كنان ياغي البدء بتصدّع الجدران الاستنادية للمتهربين من الضرائب ولا محاباة لأحد

وزير المالية : نجاحنا في العمل قرار .. ولن نسمح لأحد التدخل في عملنا .. وأنا مسؤول عن هذا الكلام

جرائم التهرب الضريبي ستدخل ضمن قانون غسل الأموال وتمويل الإرهاب

جرم التهرب الضريبي سيكون بانتظار أي تباين بين مراقبي الدخل والاستعلام

الجهد المطلوب كبير لإعادة الإيرادات الضائعة ورفد الحكومة بالتمويل اللازم للإنفاق العام

علي محمود جديد

نجح وزير المالية الدكتور كنان ياغي بالإمساك بذلك اللثام القوي الذي تحتجبُ به تلك الوجوه الكالحة التي لا تملُّ من تهربها الضريبي، ولا تخجل من المضيّ في إخفاء معالمها والتحايل على الدولة والقانون .

الدكتور كنان ياغي

غير أن هذا الإمساك – وإن كان هو البداية التي تبدو بالفعل صحيحة – غير كافٍ ولن نستفيد شيئاً إن لم يتمكن الوزير من بذل الجهود القوية والجريئة التي لا تخشى أحداً كي يستطيع إماطة ذلك اللثام عن تلك الوجوه.

وإن أماط اللثام عنها فسيكون قادراً وبقوة على تحطيم أقوى جدار استنادي يتكئ عليه أولئك الذين امتهنوا التحايل، واستسهلوا نهب أموال الدولة عبر ثقوبٍ لا يتوقفون عن نهمهم بإحداثها في الخزينة العامة ما داموا قابعين وراء ذاك الجدار..!

ما هذا الجدار ..؟ وما ذاك اللثام ..؟

الكثيرون من المتهربين ضريبياً يعمدون إلى إخفاء حقيقة وجوههم، أي سجلاتهم وبيانات أعمالهم الفعلية ووارداتهم وتكاليفهم، وبالتالي أرباحهم الحقيقية بأساليب ملتويةٍ مختلفة، أهمها وأخطرها عندما يقومون بإبراز جداول وبيانات لحسابات مدقّقة من مدقّقي الحسابات وتكون مزوّرة، وملعوب بها وبمعطيات الأعمال ككل، في حين يؤخذ بها على أنها الكلام المنزل الذي لا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه .. !

هذا الكلام الحسابي المنزل لن يعود منزلاً على ما يبدو، فعينُ الوزير ياغي عليه منذ أن حلّ على قمة الوزارة، وهو من الواضح أنه يدرك جيداً طبيعة الهدف الذي يرمي إليه، فبكشف الأوراق وجداول وبيانات الحسابات المزوّرة، يكون اللثام قد أُميطَ عن الوجوه المتخفية، وبهذه الإماطة ينكشف أمام الوزير مدقق الحسابات الذي قام بهذه الفعلة، وكان يظنّ بأنه الجدار الاستنادي الذي لا يمكن اختراقه، والذي يسمح للمخالفين – على غير وجه حق – بالتلطي خلفه.

مكنات الكشف تتحرّك

الأمر يبدو كاللغز الذي لا يمكن فهمه، ولكن ليس عند الدكتور كنان ياغي على ما يظهر، فهو على دراية كاملة بتلك الألاعيب التي يظنها ممارسوها بأنها مخفيّة لا يمكن العثور عليها، غير أن الدكتور ياغي أثبت وسريعاً الدراية الكاملة بها، متبعاً اسلوباً صاعقاً بناه على أسسٍ راسخة تمكنه من الانطلاق بلا تردد ولا هوادة، مبتدئاً الأمر بما يشبه الحرب الحقيقية  بإلغاء ترخيص بعض المحاسبين القانونيين لإثبات تورطهم بمثل هذه الأعمال، وجاء هذا الإلغاء من خلال مجلس المحاسبة والتدقيق في وزارة المالية، الذي يرأسه الوزير، حيث صادق على قرار لجنة التأديب الخاصة بالقانون رقم 33 لعام 2009 المتعلق بتنظيم مهنة المحاسبة والتدقيق .

أي مدقق حسابات يسهم في التهرب الضريبي سيُلغى ترخيصه نهائياً

بعد هذه الضربة الصاعقة وغير المتوقعة عاد الوزير بعد أيام قليلة ليؤكد خلال اجتماع له مع مديري الماليات في عدد من المحافظات أن أي تباين يظهر في رقم التكليف الضريبي بين مراقبي الدخل والاستعلام الضريبي يقتضي إحالة المخالفين إلى القضاء بجرم التهرب الضريبي، وسيتم إلغاء الترخيص نهائياً لأي مدقق حسابات يسهم في التهرب الضريبي، وقد تم منذ أيام قليلة إلغاء ترخيص بعض كبار المحاسبين القانونيين في البلد.

وشدّد على أن لا محاباة لأحد في العمل، وقال : لن نسمح لأحد بالتدخل في عملنا، وأنا مسؤول عن هذا الكلام، منوهاً بأن نجاحنا في العمل هو قرار، ونتمنى أن نكون جهازاً حكومياً واحداً، نعمل بروح واحدة، وعقلية واحدة، لأن الجهد المطلوب كبير لرفد الحكومة بالتمويل اللازم للإنفاق العام.

ولم يكتفِ الوزير بذلك فقد وجّه خلال اجتماعه مع مديري الماليات في عدد من المحافظات، بضرورة التعامل الحسن مع المكلفين، وعدم الدخول معهم بأي سجالات، وإظهار اللباقة في أسلوب التعاطي معهم دوماً، إذ هناك طرق قانونية للتعامل مع كل من يسيء، كمكلف أو موظف، ولن يسمح لأحد بالتطاول على القانون.

لن نقبل بظاهرة التهرب الضريبي

وزير المالية أكد أن الوزارة تسعى للتعاون مع الجهات المعنية لتطبيق القانون الخاص بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب على جرائم التهرب الضريبي، بحيث تحرك دعوى الحق العام على المكلّف المتهرب ضريباً ومن يساعده بجرم غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

لن نقبل بظاهرة التهرب الضريبي، ولن نتهاون معها ولا مع من يساعد عليها

واعتبر وزير المالية كنان ياغي هذه الطريقة أداة إضافية لمعالجة مسألة التهرب الضريبي، وأكد بالقول لن نقبل بظاهرة التهرب الضريبي، ولن نتهاون معها ولا مع من يساعد عليها.

وخلال اجتماعه مؤخراً مع عدد من مديري ماليات المحافظات، في مبنى مديرية مالية حمص، بيّن الوزير أن حجم التهرب الضريبي كبير، مع انتشار واسع لمظاهر اقتصاد الظل، والمكتومين ضريبياً، إذ هناك عدد كبير ممن يستحقون التكليف بالضرائب وهم غير مكلّفين، أو يكلفون بمبالغ أقل بكثير مما يستوجب بموجب الأنظمة والقوانين، وهذا ما يجعل الإيرادات الضريبية متواضعة، قياساً لما يجب تحصيله فعلياً.

وأوضح أن مسألة التهرب الضريبي ترتبط بثلاثة دعامات أساسية، تشمل المكلّف والإدارة الضريبية (مراقبي الدخل والاستعلام الضريبي) إضافة لمدققي الحسابات، لذا فإن المعالجة تتطلب التعامل مع هذه الدعامات بصورة شاملة، وللأسف، هناك حالات تواطؤ بين تلك الدعامات – يقول الوزير – أصحبت شائعة، للتهرب من دفع الضريبة المستحقة، وهذا أمر لن نقبل باستمراره أبداً.

التحصيلات أقل من المخطط

الوزير ياغي يعتبر بأن العدالة الضريبية هي محور العمل الرئيس، بالاتجاهين، من خلال زيادة كفاءة التحصيل، ومراعاة حجم الأعمال الفعلية للمكلف، وعدم استسهال التكليف، مستشهداً بالمرسوم رقم 24 لعام ٢٠٢٠ الذي أنصف الموظف ضريبياً، حيث قضى برفع الحدّ الأدنى المعفى من الضريبة على دخل الرواتب والأجور ليصبح 50 ألف ليرة سورية بدلا من 15 ألفاً، مع تعديل الشرائح الضريبية التصاعدية لتكون 30 ألف ليرة لكل شريحة ضريبية، وتعديل النسبة الضريبية للشرائح لتبدأ من 4% وصولا إلى 18% بدلا من 5% إلى 22%، ويتم الانتقال من شريحة إلى أخرى بمعدل درجتين بين كل شريحة وأخرى.

وبيّن أن الحجم المطلوب من الوزارة كبير جداً لتمويل الإنفاق العام في موازنة العام القادم (2021)، حيث قدّر الإنفاق بمبلغ 8500 مليار ليرة، منه 7 آلاف مليار ليرة إنفاق جاري، جلّه أجور ورواتب، لا يمكن التقصير فيه أبداً، مقابل 1500 مليار ليرة إنفاق استثماري، بينما قدرّت الإيرادات الجارية بنحو 3500 مليار ليرة من الضرائب بشكل رئيس، و2500 مليار ليرة فوائض اقتصادية، ليكون العجز 2500 مليار ليرة.

ونوّه بأن الإنفاق الفعلي قد يكون أكبر من المقدّر بسبب التضخم في الأسعار، وهذا يعني ضرورة العمل على زيادة الإيرادات بدل التمويل بالعجز، الأمر الذي يتطلب جهداً كبيراً جداً، لزيادة التحصيلات الضريبية بعدالة، خاصة وأن التحصيلات المنفذة حالياً أقل من المخطط لها، بسبب التهرب من دفع الضرائب، واتساع ظاهرة اقتصاد الظل، وهذه إيرادات ضائعة يجب إعادتها إلى الخزينة لتمويل الإنفاق العام، الذي هو استحقاق ومسؤولية كبيرة.

تعزيز كفاءة الانفاق

الوزير يتطلع إلى كيفية تغطية الزيادة في كتلة الانفاق العام، الناجمة عن ارتفاع سعر الصرف الرسمي للدولار مقابل الليرة السورية في الموازنة العامة للدولة، والعجز المالي الكبير في شركة محروقات، وارتفاع العجز التمويني للمؤسسة العامة السورية للحبوب في حال تغير أسعار القمح المستورد، والإيرادات المتواضعة للوحدات الحسابية المستقلة والتي ترتبط بالموازنة العامة وفق مبدأ الصوافي (كالجامعات والمشافي…..وغيرها).

وسيتم تغطية هذا العجز – يقول الوزير – من خلال إصدار سندات خزينة ستخصص حصراً للمشاريع الاستثمارية، والاقتراض من مصرف سورية المركزي أو (ما يسمى بالتمويل بالعجز)، وإدراكاً من وزارة المالية لحجم المخاطر الناجمة عن التزايد الملحوظ في المديونية لتمويل عجز الموازنة وخاصة على سعر صرف الليرة السورية؛ سوف تسعى للحد ما أمكن من الاقتراض من المصرف المركزي عن طريق تحسين الإيرادات وتعزيز كفاءة الانفاق العام.

أخيـــراً

إذن نحن اليوم أمام سياسة ضريبية جديدة يمكننا القول بأنها كانت نائمة أو مُغيّبة، ويعمل الوزير الجديد الدكتور كنان ياغي على إيقاظها وإحضارها إلى مكانها الطبيعي لتفعيلها والأخذ بها جديّاً، علّه يتمكن من وقف النزيف الهائل للضرائب المستحقة التي يجري اقتناصها من خلف ذاك الجدار، وقد عمم الوزير مؤخراً تعميماً شاملاً وشديد الوضوح أكد فيه على ضرورة عدم اعتماد المحاسبين القانونيين لأي بيان ضريبي يحتوي على بيانات خاطئة أو مضللة بهدف مساعدة المكلف على التهرب الضريبي تحت طائلة المسؤولية.

وتحمّل المسؤولية هنا لم يعد مجرد جملةٍ عابرة في كتاب، فعمليات إلغاء التراخيص بدأت جديّاً، ولن تتوقف إلاّ بعد أن يتوقف الاحتيال والتضليل .. وقد أعذر من أنذر.

سيريا ستيبس / السلطة الرابعة

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

1 + 3 =