فيروس العنف الأسري جائحة مستترة تحت ظلال كورونا .. تجارب أفراد ودول

د. أماني محمد ناصر * – خاص للسلطة الرابعة

الدكتورة أماني

اصطلاحاً العنف الأسري هو إلحاق الأذى بين أفراد الأسرة الواحدة كالعنف بين الزوجين، وعنف أحد الوالدين أو كلاهما اتجاه الأولاد، أو عنف الأولاد تجاه والديهم، حيث يشمل هذا الأذى الاعتداء الجسدي، أو النفسي، أو الجنسي، أو التهديد، أو الإهمال، أو سلب الحقوق من أصحابها، وعادةً ما يكون المُعنِّف هو الطرف الأقوى الذي يُمارس العنف ضد المُعنَّف الذي يُمثّل الطرف الأضعف.

تزوّجت وتخلصت من العنف

تروي السيدة أمل لموقع السلطة الرابعة في سؤال لها عما إذا تعرضت للعنف الأسري قبل زواجها حيث قالت:

كانت علاقة والدتي بوالدي غير جيدة ما انعكس ذلك سلباً عليّ فطالما وبختني أمي وضربتني مخلفة كدمات على جسدي لأسباب تافهة بل وصل الأمر بها إلى حبسي في غرفتي أو في الحمام وفتح باب الغرفة (أو الحمام لأخرج منه) قبل عودة والدي من العمل وطالما هددتني بالضرب إن تحدثتُ له عن ذلك وبما أنني كنتُ أخشاها لم أحدث والدي يوماً عما كانت تفعله والدتي معي… وللأسف أصبتُ بوجع دائم في الرأس من كثرة التفكير وبالتبول اللاإرادي ولم أصدق حتى الآن أنني تزوجت وتخلصتُ من ضربها وتوبيخها وتعنيفها.

وتضيف:

بعض أقربائي قالوا لي لو لم نرها تلدك في المشفى لما صدقنا أنها أمك من طريقة معاملتها لك…

لم أرَ من زوجي يوماً جميلاً

أما السيدة ريما فقالت في سؤال لها خاص لموقع السلطة الرابعة أنّ زوجها لم تر منه يوماً جميلاً حتى في شهر العسل، فقد كان مدمناً للكحول وغالباً ما يضربها أو يشتمها ويهددها بالرغم من محاولاتها الدائمة لإرضائه لكنه لم يرتدع يوماً… وحينما بادرتُها بالسؤال لماذا لم تطلبي الطلاق منه؟ أجابت بألم:

المجتمع لا يرحم.. إن طلبت الطلاق وتطلقت منه سيقع اللوم فوراً علي، خاصة أنّ أهلي طالما نصحوني بالصبر وأنه سيتغير حاله بعد أول طفل بيننا وأنجبتُ ثلاث أولاد لكنه كان من سيء إلى أسوأ..

كنّة نكديّة وابنٌ صامت

العم أبو سمير  الذي تجاوز عمره الــ 71 عاماً يقول لموقع “السلطة الرابعة “وكأنني لم أنجب ابني سمير، فقد ربيته بعد وفاة والدته وهي تلده، وعلمته وأرسلته لأرقى الجامعات الأوروبية وبعد أن عاد زوّجته بمن يحب…

يقيم الآن هو وزوجته في منزلي وكأنهما أصحاب المنزل وأنا الضيف الثقيل عليهما فزوجة ابني تعاملني باستياء وتذمر ولا تعرف إلا لغة الصراخ معي إن لم يعجبها شيء، ولم اسمع ابني ينهرها مرة لأجلي أو يطلب منها التعامل معي بلطف، بل مرة ودون أن تنتبه هي وابني لوجودي بالقرب منهما سمعتها تلمح له بوضعي في دار العجزة وحينما التزم الصمت طلبتُ منهما في اليوم التالي أن يخرجا من المنزل ويستأجرا بعيداً عني أو يشتريا بيتاً لهما، فحالة ابني المادية جيدة لكني كنتُ أعتقد أنّ وجودهما معي هو بمثابة ونس لي، وإذ بي أمام كنّة نكدية وابن صامت، ألا يشبه الصمت في هذه الحالة العنف”؟

إحباط وخيبة وشعور بالظلم

ومن الآثار السلبية للعنف الأسري على الفرد والمجتمع الإصابة بالإحباط وخيبة الأمل

نتيجة الشعور بالظلم والشعور بالقلق والاضطراب والانطوائية والعزلة، وفقدان الثقة بالنفس وقلة تقدير الذات، وفقدان الشهية واضطرابات النوم والكذب لتجنب العنف وقد يصل الأمر إلى إسقاط الحامل أو انتحار المعنّف نتيجة العنف المستمر عليه، إضافة إلى التفكك الأسري ما يؤدي إلى الإحباط الذي قد يدفع البعض إلى العدوان على من حولهم وبالتالي على المجتمع.

الخمسُ الأولى الحاسمة

وعلى الأسرة تأمين كل الحماية للطفل منذ ولادته فشخصية الفرد تتكون خلال السنوات الخمس من طفولته، فإذا كان أهله يؤمنان له الرعاية والحنان نشأ مستقراً من الحالة النفسية وإن كان يتعرض للعنف في هذه الفترة فستنشأ لديه اضطرابات نفسية تزداد كلما تقدم في العمر.

خطة شاملة ضد العنف الأسري

قدّمت منظمة الصحة العالمية تدابيراً جيدة لإنهاء العنف ضد الأطفال، حيث تتصدى للعنف الأسري باعتمادها على البلدان الملتزمة بمنع العنف ضد الأطفال والتصدي له من خلال سبع استراتيجيات، أهمها: تعزيز تطبيق وإنفاذ القوانين، وتعزيز المعايير والقيم، وإيجاد بيئات آمنة، ودعم الآباء ومقدمي خدمات الرعاية، وتحسين الدخل وتعزيز الوضع الاقتصادي،

وتطوير خدمات الاستجابة والدعم والتعليم والمهارات الحياتية. وهي خطة شاملة للقضاء على العنف الأسري وهو الأمر الذي دفع منظمة الصحة العالمية لدعوة كل الدول للانضمام إليها وتبنيها.

النمو بين مُعتدٍ وضحية

تقول أوليفيا بويل، المتخصصة في علم النفس السريري وعضو الجمعية الأسترالية لعلم النفس: “يفترض بعلاقة الأطفال بالقائمين على رعايتهم، أن توفر لهم الأمان والحماية خلال نموهم. فعلاقة الأطفال في سنواتهم الأولى بالأشخاص والخبرات خارج نطاق علاقاتهم الأسرية محدودة جدا، لذا لا يشعر الأطفال الذين يشهدون وقائع العنف الأسري بالأمان؛ بل يرون والديهم ما بين معتد وضحية”.

تستقبل أذهان الصغار كمية هائلة من المعلومات المتعلقة بالعالم، خاصة خلال المراحل الأولى من الطفولة، وتتولى هذه العملية توجيه الوظائف الانفعالية في مراحل لاحقة من العمر.

 وتضيف قائلة: “من الطبيعي أن ينصبَّ معظم اهتمام ضحايا العنف الأسري على مواصلة الحياة -تأمين السلامة الجسدية لهم ولأطفالهم- والتعامل مع الصدمات الناتجة عن ذلك العنف الأسري. وهو ما يؤثر على تواجدهم باستمرار لدعم الأطفال في معاناتهم من الاضطرابات العاطفية التي يسببها العنف الأسري لهم أيضا”.

وحول التشريعات القانونية التي تجرم العنف الأسري قال المحامي السوري لؤي الكردي لموقع “السلطة الرابعة”

لا محاكم جزائية خاصة بالعنف الأسري في سورية

“إن العنف الاسري والجرائم التي تحدث داخل مؤسسة الاسرة تأخذ عدة أشكال وتتم بعدة طرق منها ما يكون مادي ( كالضرب والاعتداء والايذاء الجسدي ) ومنها ما يكون معنوي ( كالتعنيف اللفظي والإهمال والهجر والتشهير ) ولا يوجد لدينا في سورية محاكم جزائية خاصة بالأسرة والعنف الاسري كون المشرّع السوري لم يقنن الجرائم الاسرية والعنف الاسري ضمن قانون خاص والأكثر من ذلك أن القانون السوري لا يجرم الكثير من الأفعال التي تندرج ضمن مفهوم (العنف الاسري ) والتي تكون نتائجها السلبية على المجتمع

وذلك كونها تعتبر حق من حقوق طرف على أخر في الاسرة أو أن العرف السائد يجيز هكذا تصرفات ولكن ولكي نكون منصفين فإن المشرع السوري قد جرم وعاقب على مجموعة من الأعمال التي تمس الاسرة وكيانها و أفرد لها الفصل الثاني من الباب السادس في قانون العقوبات السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم ( 148 ) عام 1949 وتعديلاته حيث عاقب المشرع على الجرائم المتعلقة بالزواج ( 469 ) وعلى السفاح بين الأصول والفروع ( 476 و 477 ) وعلى الجرائم المخلة بآداب الاسرة ( 473 و 474 و 475 ) وكذلك على جرائم التعدي على القاصر( 481 ) والجرائم المتعلقة بتسييب الولد ( 484 ) والأفعال الجرمية التي تتعلق بواجبات الأسرة وإهمالها ( 487 ) ومع تطور المجتمعات نحن احوج ما يكون إلى تشريع جديد يعاقب على تلك الجرائم المعنوية التي تحدث داخل المؤسسة الاسرية لنستطيع ان نرتقي بهذه المؤسسة كونها اللبنة الأساسية في تطور المجتمع”.

الجائحة المستترة مع كورونا

ولا يزال فيروس “كورونا” يشغل فكر العالم من الناحية الصحية والعلمية والعملية وحتى العاطفية والإنسانية، وكم شهدنا حالات طلاق لأسباب تافهة لكن في جوهرها السبب الرئيسي هو شل هذا الفيروس لكل نشاطاتنا وتحركاتنا التي يجب أن نحسبها بالمسطرة كي لا نقع أسرى له..

وتزايد عدد المستغيثين نتيجة العنف الأسري أضعاف المرات عما كان عليه سابقاً في ظرف الحجر المنزلي الذي فرضه علينا هذا الفيروس.

للشهر الثامن على التوالي لا يزال فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19) يحكم قبضته على العالم، وعلى الرغم من قرار معظم الدول التعايش مع هذا الفايروس اليوم لكن في فترة الحجر المنزلي وخلف أبواب البيوت الموصدة كم ارتفعت صرخات الاستغاثة نتيجة العنف الأسري الذي ازدادت حدته، ما دفع منظمة الصحة العالمية إلى إصدار تقرير يوضح أسباب زيادة العنف الأسري خلال هذا الفترة، ويذكر دور كل من الحكومات والمؤسسات الصحية والهيئات الطبية والجمعيات الإنسانية وأفراد المجتمع، ويشير التقرير إلى أنه قبل انتشار الفيروس، كانت واحدة من كل ثلاث نساء تتعرض للعنف الأسري، ولكن الضغوط التي سببها انتشار الفيروس أدت إلى رفع هذه النسبة إلى الضعف.

ويوضح تقرير للإسكوا أنّ دولاً عربية قليلة جداً توثّق حالات العنف الأسري، الأمر الذي يجعل من الصعب جداً معرفة حقيقة مستوى زيادة الانتشار.

وسجلت منظمة “المساواة الآن” غير الحكومية في الصين تضاعف عدد المكالمات على الخط الساخن للإبلاغ عن العنف المنزلي، وتشير التقارير الواردة من الصين أن حوادث العنف الأسري تضاعفت ثلاث مرات خلال الوباء.

كما سجلت بيانات إدارة شرطة مدينة إسطنبول أن حالات العنف المنزلي بالمدينة قد ازدادت في مارس/آذار 2020، بنسبة 38.2 % مقارنة بالشهر نفسه من السنة الماضية.

و صرحت وزيرة المرأة والأسرة التونسية “أسماء السحيري” أنّ معدلات العنف على النساء قد تزايد خمس مرات مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

و تراوحت زيادة نسبة العنف الأسري في العراق بين 30- 50 ٪ في حين وصلت حسب وسائل إعلام إلى 100 ٪ في لبنان.

ونشرت الهيئة الملكية الأسترالية في فيكتوريا أن نسبة العنف الأسري هي الأعلى على الإطلاق، أي بزيادة 6.6 ٪ من العام الماضي.

أما في إسبانيا فقد تم الإبلاغ عن أضعاف الحالات طلباً للمساعدة بنسبة زيادة تقدر بـ18٪ في الأسبوعين الأولين من بداية الحجر الصحي.

 كما أبلغت الشرطة الفرنسية عن زيادة بنسبة 30% في العنف المنزلي.

وحيال هذا الوضع أصدرت الصحة العالمية تقريراً خاصاً عن زيادة العنف الأسري خلال الحجر الصحي بغرض دفع الحكومات والمؤسسات والهيئات الطبية الاجتماعية لاتخاذ تدابير عاجلة لتدارك جائحة فيروس العنف الأسري الذي بدا وكأنه يخرج عن السيطرة، خصوصاً أن ارتفاع هذه النسبة إلى الضعف أو أكثر، وهو الأمر الذي دعا المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، السيدة فومزيلي ملامبو-نكوك، لتسميها بالجائحة المستترة.

دكتوراه بالتربية من جامعة دمشق *

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

− 6 = 1