محاولة لإفقارنا وقطع أرزاقنا والخروج من جلدنا غير أن جلودنا من صخرٍ ومن فولاذ

هذه النيران كلها لم تكن مجرد حرائق ..

علي محمود جديد

من غير المعقول، ومن غير الممكن أن تكون هذه الحرائق كلها التي امتدّت في أروع المناطق جمالاً في سورية .. من وادي النصارى في ريف حمص الغربي، الزويتينة والمزينة وحب نمرة وبرج المكسور وقلع السقا .. إلى جبال وأرياف طرطوس في مشتى الحلو والكفرون وصافيتا والدريكيش والشيخ بدر وبانياس حيث اشتعلت حرائق في حريصون ورأس الوطى والجويبات والمزارع وبلغونس وبستان الحمام وابتلة وقرية نحل العنازة وامتدت الحرائق إلى بعض المنازل هناك .. وفي ليل الجمعة وصلت أنباء عن اشتعال حريق في جبل حمد وجنينة رسلان.

وكذلك إلى جبال وأرياف اللاذقية وجبلة والحفة والقرداحة، حيث واصلت فرق الإطفاء في محافظة اللاذقية جهودها لإخماد عدة حرائق بريف المحافظة، وأخيراً أخمدت كلها في المحافظات الثلاث ولله الحمد.

صحيح أن الرياح قد أسهمت شدتها وكذلك الجفاف بانتشار الحرائق وأيضاً وعورة التضاريس في بعض المواقع الجبلية، غير أن هذا كله وبهذا النطاق الواسع وبهذا التوقيت الموحّد لا يمكن له أن يكون طبيعياً.

فالحرائق لم تكن متّصلة لنقول أن شدّة الرياح قد فعلت فعلها باتساع نطاق الحرائق، وإنما اندلعت في أماكن منفصلة ومتباعدة ثم ساهمت الرياح باتساعها في مختلف المناطق، ففي محافظة اللاذقية – مثلاً .. وهي أكثر المحافظات غنىً بالغابات – أشارت معطيات مديرية زراعة اللاذقية إلى أنّ فرق الإطفاء تعاملت مع حرائق عدة أشدها كان في بللوران وأم الطيور والبسيط وقلعة جندل ودباش وخدلو في الحفة، غير أن هذه الفرق أخمدت أخيراً كل الحرائق ، في أماكن متفرقة ومتباعدة في قرى وبلدات غلميسة والعزرية وبسنديانة بمنطقة القرداحة وشريفة وبيت الشكوحي والنبعة والبدروسية والصخرة في كسب، والبراعم والبلاطة وعين الشرقية وبسطوير ورويسة الحجل والبودي وبشيلي وبيت ياشوط وسربيون وبنجارو في ريف جبلة.

كما اندلعت النيران في أحراج ومزارع قرى كلماخو ودير ابراهيم ومرج معيربان ودباش ووطى دير زنيو وبكراما ونيننتي والأربعين وفي قرية بقنة القريبة من منطقة القرداحة.

وهناك بؤر عديدة كانت هنا وهناك تشتعل ويزداد اشتعالها تصاعداً إلى أن أخمدت وسط شكوك متصاعدة أيضاً من وقوف أيادٍ خبيثة آثمة وراء كل ما يحصل.

شكوك متزاحمة ..

من الصعب لأي عاقل في الحقيقة أن يقتنع بطبيعيّة مثل هذه الحرائق التي حصلت مهما ساءت الأحوال الجوية من جفاف ورياحٍ شرقية عاتية، فليست هذه هي المرة الأولى التي تشتدّ فيها هذه الرياح الشرقية العاصفة، ففي كل عام تهبّ مرة ومرات أحياناً، وتحصل بسببها بعض الحرائق هنا وهناك، وكانت تمرّ أحياناً بسلام دون وقوع حرائق، فما الذي دهاها في هذه الأيام ..؟! وماذا حصل وكيف ولماذا ..؟

تتجه الأنظار بقوة نحو أعداء سورية، وأصابع الاتهام تُصوّب نحو خلايا تلقّت الإيعاز بإشعال الحرائق .. ففعلت، وقد تحدّث بعض المواطنين عن رؤية ملثّمين في سياراتٍ مشبوهة وعلى دراجات نارية يقومون بإشعال الحرائق، وليس فقط كذلك فإن العديد من القرى قام أهاليها بتشكيل لجان أهلية من كل قرية مجموعة على مفارق الطرق وتقاطع القرى للتأكد من هوية كل من يدخل ويخرج.. ذلك بعد أن تأكد الجميع بأن الحرائق مفتعلة وهناك من يتنقل ويقوم بإشعالها..!

وثمة أنباء شبه مؤكدة أنّ جهاتٍ مختصّة ألقت القبض على بعض مفتعلي هذه الحرائق.

إلى أن تُعلن الحقائق

ومن الآن إلى أن تُعلن الحقائق رسمياً فإننا نخرج عن الموضوع قليلاً ولكن ضمن نطاقه البعيد المدى ونشير إلى أنّ أحد أهم أهداف قانون قيصر الذي تداولته بكل صراحة ووضوح صفحات بعض الخونة الذين يتسترون بلباسٍ يزعمون أنه لباس معارضة، هو ( الهدف .. تأليب الحاضنة الشعبية لنظام الأسد عليه بسبب الفقر ) ويقولونها هكذا ببساطة وكأننا لا نعرف أن نحسم خياراتنا بقيصر أو بلا قيصر، وما دام الكثيرون منهم فضّلوا حفنات الأموال القذرة على وطنهم وأبناء شعبهم، والتي تصلهم كالمتسوّلين من هنا وهناك، باتوا يُشعروننا أنهم قد انقلبوا إلى شِللٍ وعصابات تعبدُ المال، وراحوا يعتقدون أن المال هو كل شيء، والأخلاق والمبادئ والقيم تُباع بالمال وتُشترى، وتُباع الذمم بالمال وتشترى، والأوطان عندهم أيضاً تُباع، هكذا هم، ولا يمكنهم الخروج عن هذا الإطار، فكل إناءٍ بالذي فيه ينضح، ولكن عليهم أن يُدركوا جيداً أنّ إناءنا ليس كذلك .. وهو أيضاً بالذي فيه ينضح، وما عليهم إلاّ أن يقطعوا الأمل من تحقيق أهدافهم الدنيئة مهما استفحلوا في إجرامهم.

فما حصل لم يكن مجرد حرائق نلصقها بظهر رياحٍ شرقية، إنها بالفعل جرائم إفقار وقطع للأرزاق ومحاولات يائسة لتأليبنا على مبادئنا وقناعاتنا النابعة من قلوبنا وضمائرنا في هذه الحياة، وهذا ليس فقط لن يحصل، وإنما سيزيدنا تمسكاً وقناعة بما نحن عليه.

سنَد وقرينة أمريكية

بكل وقاحة، وبحالة لا متناهية من الوهم والغرور، وبكثيرٍ من الجهل – أو التجاهل – بطبيعة السوريين الشرفاء الذين يبذلون الدم والأرواح فداء الوطن، وجّه نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي وما يسمى بالمبعوث الخاص إلى سوريا “جويل رايبورن” رسالة الأسبوع الماضي إلى من أسمانا ( الموالين لنظام الأسد ) حول المكاسب التي حقّقوها من دفاعهم عنه طيلة السنوات الماضية.

وقال “رايبورن ( إنّ أنصار “بشار الأسد” تعرّضوا لخسائر بشرية كبيرة بسبب الحرب الدائرة المستمرّة منذ 10 سنوات، ففقدوا أبناءهم دفاعاً عنه وفي نهاية المطاف وجدوا قوى إقليمية تتفاوض على الأراضي السورية )

هكذا يحاول الأمريكان تسويق أفكارهم الخبيثة وزرع المبررات لإجرامهم بالقفز فوق الوقائع، وبتزوير الحقائق ليجدوا لأنفسهم منفذاً لعلهم يصلون به إلى تحقيق أهدافهم، التي تُختصر بصراحة ووضوح في تحقيق أهداف الصهاينة، ولذلك تحاشى هذا المسؤول الأمريكي الحديث عن المبادئ والقيم التي يتحلى بها السوريون، والحق الذي يدافعون عنه، وأراد توجيه الأفكار نحو أن كل الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم فعلوا ذلك دفاعاً فقط عن الرئيس بشار الأسد، وهو يدرك وزبانيته وأتباعه كلهم يدركون أن الأمر ليس كذلك، فنحن بالفعل متمسكون بالرئيس بشار الأسد لشجاعته في مواجهتهم وصبره ومقاومته، ولتحليه بالمبادئ والقيم المنسجمة مع السجيّة الشعبية في سورية، ولكن شهداءنا ضحّوا بأرواحهم دفاعاً عن الوطن وكرامته وعزته.

وتوجّه المسؤول الأمريكي المجرم إلى الموالين بقوله: ( إذا كان بشار الأسد قد تنازل عن البلد لماذا تسمحون أنتم بذلك؟ ) مشيراً إلى أنّ ( النظام ) سمح لأمثال روسيا وإيران والجماعات المسلّحة المتحالفة معه ( يقصد حزب الله بالدرجة الأولى وغيره من الحلفاء الأصدقاء ) بإثارة الشغب ومواصلة الصراع.

نعم بالفعل نحن وروسيا وإيران وحزب الله والحلفاء معنا نثير الشغب .. ولكنه شغبٌ على الأمريكان إلى حدّ كبير، ونمنعهم من تحقيق خططهم الإجرامية وأوهامهم وأهدافهم التي لن تجد لدينا طريقاً للتحقيق.

من الواضح أن هذا المجرم الأمريكي يقصد بأنصار الأسد، السكان الذين بحكم ظروفهم الحياتية الصعبة اتجه الكثيرون منهم للتطوع في الجيش العربي السوري، كضباط وصف ضباط وأفراد، وبالتالي كانت نسبة الشهداء منهم أكبر، وهؤلاء السكان هم أولئك الموجودين فعلياً في مناطق الحرائق التي اندلعت، غير أن هذا المجرم الأمريكي وأشباهه لا يستوعب .. أو ربما لا يريد أن يستوعب بأن الشعب السوري كله هو من أنصار الرئيس الأسد، وقد بذلت كل المناطق والمحافظات العديد من الشهداء أيضاً.

هذا هو الواقع الحقيقي فعلاً، ولو لم يكن الأمر كذلك لاختلفت الأحداث على الأرض كثيراً، فقوة وثبات ومقاومة الرئيس الأسد لا يمكن أن يستمدها إلا من تأييد شعبي شامل قائم بالفعل وبقوة.

الخلاصة

هذه الرسالة من ( رايبورن ) التي تناقلتها مئات وسائل الإعلام، والتي يتوجه فيها إلى مناطق محددة، وانسجامها مع مفهوم قانون قيصر الهادف إلى إفقارنا لنعلن الاستسلام لهم، تؤكد أن هذه الحرائق كلها كانت بفعلهم هم بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، وقد جاءت لزيادة حالة الفقر بقطع الأرزاق لوهمهم أن الأمر هنا سيؤدي إلى تأليب الحاضنة الشعبية، وهم يدركون جيداً ويتناسون أن هذه الحاضنة ليست هنا فقط، وإنما تمتد على كامل الأرض السورية، أما الأهالي في حمص وحماه ( التي سبقتنا بحرائقها ) والساحل السوري، فلن يزدادوا بعد هذا الإجرام كله إلاّ ثباتاً وتمسكاً بمبادئهم وقيمهم ووطنهم وقائد هذا الوطن، وليثقوا أننا سنأكل التراب ولن نستسلم، ونعصر الصخر لنشرب .. ولن نستسلم.

لقد أثبت التضافر الشعبي الرائع في بذل الجهود المشتركة للمساهمة في إطفاء الحرائق على الرغم من الإمكانيات الضعيفة نتيجة إجرام الأمريكان بحصارهم أيضاً، وكذلك التضافر في الإعانات الإنسانية التي بدأت بالتوارد من دمشق ومن حلب وغيرها من المحافظات .. أثبتت أن هذا الشعب العربي السوري أسمى من كل قذاراتهم .. ولن يكون إلا يداً واحدة .. وعلى قلب رجل واحد في إفشال مخططاتهم وإخماد حرائقهم.

سيريا ستيبس / السلطة الرابعة

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

6 + 1 =