حرائق سورية ونظرية المؤامرة و ” بعض الشك من حسن الفطن”..؟؟

السلطة الرابعة – متابعات

“ليست الغابات والأراضي الزراعية من تحترق فقط.. قلوبنا هي الأخرى تحترق” عبارة تتكرر منذ صباح اليوم المشؤوم (الجمعة 9 تشرين الأول) على ألسنة السوريين. حالة من الغضب والذهول عمت البلاد بشكلٍ غير مسبوق حتى في ذروة الحرب التي عاشتها البلاد لأزيد من تسع سنوات.

تباينت تفسيرات ما يحدث بين من يرد هذه الحرائق الرهيبة إلى فعل فاعل خارجي أو داخلي، ومن يتهم فاسدين ومرتزقة بإشعالها، وآخرون حملوا الحكومة وأجهزتها مسؤولية الكارثة بسبب إهمالها وتقصيرها، فضلاً عن حالة الجو التي كانت عاملاً مساعداً لانتشار النيران بهذا الشكل المخيف.

مفتعلون “متعلمون” ويعرفون ما يفعلون

يقول أستاذ علم المناخ بكلية الآداب – قسم الجغرافيا بجامعة تشرين، رياض قره فلاح في حديث خاص لوكالة أنباء آسيا، إنه “عندما تندلع الحرائق ليلا في أماكن متفرقة ومتباعدة وداخلية في الغابة، وبشكل مخيف يصعب على رجال الإطفاء السيطرة عليها، وقبل يوم واحد من تحول الرياح إلى شرقية جافة جعلت من الرطوبة في المناطق الساحلية تنخفض فهذا يعني من وجهة نظري أن الحريق قد قام به شخص أو مجموعة أشخاص، أو جهة (مثقفة ومتعلمة) تتابع حالات الطقس وتفهم تماماً الأحوال الجوية و الرياح كعامل مساعد في امتداد الحرائق، علماً أن هذا يحصل للمرة الثانية خلال شهر، وبنفس الظروف الطقسية، والأهم من ذلك في أماكن جديدة لم تطلها الحرائق المرة السابقة !”.

ويضيف قره فلاح :”كلامي السابق يصبح بالنسبة لي يقينا عندما تكون الحرائق قد اندلعت عند الفجر حيث يكون الضغط الجوي مرتفعاً، وتكون الرياح في أهدأ أوقاتها وسرعاتها، والأجواء باردة نسبياً بالمقارنة مع النهار، ومن المعروف أن السرعة الأعلى للرياح تحدث نهاراً وليس ليلا مع انخفاض الضغط الجوي، مما يعني أن من افتعل الحريق كان يعلم بأن الرياح ستشتد مع شروق الشمس وسيصبح الوضع كارثياً خلال فترات الظهيرة مع اشتداد سرعة الرياح الشرقية الجافة.”

ويستند الاختصاصي في علم المناخ على الإحصائيات العالمية في هذا الشأن: “من بين كل 100 حريق هناك 4 حرائق فقط قد يكون الطقس سببها، وأهم أسبابها الصواعق – ونحن لسنا في الشتاء- وبالتالي يمكن أن ندرك أن من قام بالحريق – من وجهة نظري- فرد أو أفراد حاقدون مدركون لما لهذا الأمر من تبعات كارثية بيئية واقتصادية ” كما يقول قره فلاح

عشرات الحرائق.. وعشرات آلاف أشجار الزيتون

أحصت وزارة الزراعة ما يزيد عن 79 حريقاً حتى ساعة إعداد هذا التقرير، معظمها في اللاذقية وطرطوس، وعدد أقل في حمص .

ففي فجر يوم الجمعة، اندلعت موجة ضخمة من الحرائق في عدة مناطق في ريف اللاذقية، وما زال بعضها مستمراً حتى اللحظة، و بدأت فرق الإطفاء في كل من اللاذقية، جبلة، القرداحة، الحفة، حرف المسيترة، الفاخورة، والدالية، فدائرة الحراج، والدفاع المدني، تتعامل مع الحرائق الضخمة في مناطق ريف جبلة أيضاً وكلماخو وجبل العرين وقمين والفاخورة وبسيت بريف القرداحة.

كما نشبت النيران بين المنازل في منطقة سربيون، فالحرائق اندلعت بالقرب من المنازل وأشجار الزيتون بجوار الكلية البحرية، وسط محاولات أفراد من الكلية السيطرة على النيران.

وفي طرطوس، اشتعلت النيران في منطقة الكفرون التي تبعد عن محافظة طرطوس 48 كيلو متراً، منذ الساعة ١٢ ليل الخميس، لتمتد بسرعة و تلتهم حتى قبل ظهر الجمعة بحسب تقديرات أولية حوالي ١٨٠٠٠ شجرة زيتون، فضلاً عن الأحراج، كما أن خط نار يبلغ طوله ١٥ كم يشتعل من جبل السن فبيت بارود فالدوير فالسايح، وقرية نبع كركر التي أصبح ٩٠% من مساحة أراضيها رماداً، حيث تم إخلاء بعض منازل المنطقة تحسبا لوصول النيران إليها، مع الإشارة إلى وجود قرى كانت محاصرة “بسدقين” وجوارها شمال غرب مشتى الحلو .

مناطق اشتهرت بغطائها الأخضر الذي ميزها سياحياً و زراعياً تحولت إلى جهنم بين ليلة وضحاها ، ومازالت النيران تلتهم العديد من تلك المساحات، لتصل إلى البيوت.

غضب الفلاحين و تأثرهم كان جلياً هذه المرة، فشقاء العمر ذهب بلمح البصر وصدمة الفلاحين تراها في عيونهم المحمرة قهرا و عتبا .

يوجه الفلاح السبعيني” ل ابراهيم ” عتبه على المعنيين من خلال وكالة أنباء آسيا: “أرضي التي ورثتها عن أبي، عمر شجر الزيتون فيها ٢٠٠ عام، لم يبق منها شيء، فالنيران لفّت أراضي كفرون بدرة من جميع الاتجاهات، وامتدت على مساحات مئات الكيلو مترات، مضيفاً: “طالبنا البلدية بشق الطرقات الزراعية لتخديم الأراضي أولاً، و تسهيل مرور سيارات الإطفاء و الجرارات تحسباً لهكذا حوادث وبالتالي السرعة في إخماد النيران، و لكن لم نلق جواباً، عوضنا على الله” .

بدوره رئيس بلدية مشتى الحلو جوزيف عيد اعترف لوكالة أنباء آسيا بفداحة الكارثة قائلاً “نحن عاجزو، ولا نعرف حتى الآن المساحات التي أكلتها النيران، لأن النار لم تتوقف حتى الآن  ( أي يوم الجمعة ) ولكن يمكن القول بأن المساحات المحروقة حتى اللحظة تقارب نصف المساحات الحراجية، و ربع مساحة القطاع بما يعادل ٢٠% أغلبيتها أشجار زيتون وحراجية” .

وأكد عيد على الظروف الجوية التي ساعدت على الانتشار الكبير والسريع للنيران “في البداية اشتعلت النار في أكثر من موقع، فاعتمدنا مبدئياً على الإطفاء المحلي في مشتى الحلو ثم استنجدنا بمراكز الإطفاء القريبة، لتتوسع دائرة المساعدات بإرسال سيارات الإطفاء من حلب ودمشق، و بمؤازرة من قوى الجيش أيضا بالإطفاء”.

مضيفاً ” في الوقت الراهن ونظرا لصعوبة الجغرافيا والهواء الجاف لم نستطع السيطرة الكاملة، ونحن بانتظار الدعم الجوي من قبل وزارة الدفاع خلال ساعات قليلة، نأمل ألا تتأخر، فالنيران التي حصدت مساحات واسعة في الجويخات والعيون القريبة من المشتى والتابعة لمحافظة حمص مازالت تحصد المزيد”.

وناشد عيد ساكني الأبنية باقتناء جهاز إطفاء في المنازل، و التوجيه المباشر بالتنظيف حول الأبراج الكهربائية .

“نظريات” ومطالبات “عاجلة”..

تعددت النظريات التي رافقت النيران منذ اندلاعها ليلة الخميس، أحد المزارعين خسر خمسة دونمات من الزيتون الجاهز للقطاف، يقول لـ”آسيا”: “احترقت أرضي بالكامل، و لكني لن أدخل في نظرية المؤامرة والصور والدراسات التي أرسلت لي، والتي تؤكد استخدام غاز “الكيمرتيل” ولكن في النتيجة هناك من يعمل على إزالة الغطاء الحراجي في الساحل السوري لأغراض عديدة!!”

فيما يقول الكاتب والناشط عماد جبور بأن “هناك عدة أوجه لإحداث الحرائق والتي قد تكون بدائية وصولاً الى طائرات الدرون المسيرة”! لكن الأهم من كل ذلك “يجب إعلان حالة الطوارئ فوراً، واعتبار ما يجري عملاً حربياً، والتعامل معه على هذا الأساس . مضيفاً “يجب استخدام الطيران الحوام وفوراً للاشتراك في عمليات الإطفاء والاستعانة بالطيران الحوام الروسي إن اضطر الأمر ( وقد حصل ذلك ) فالقضاء على الأشجار الحراجية والمثمرة مهما كانت العناوين، هو عملية إبادة متكاملة يجب التحرك الفوري لوقفها، وإطلاق نداء إغاثة إقليمي اذا كان الأمر خارج السيطرة، هناك قرى مهددة وبشر يواجهون النيران باللحم الحي، لا وقت لكلام آخر غير مواجهة الحرائق “.

من جهته محمود علي، الاختصاصي بحرائق الغابات من جامعة ” TexasA&M University” الأميركية، يرى في حديث له مع وكالة أنباء آسيا أنه “من الصعب إحصاء الخسائر في الوقت الحالي، الجهة الوحيدة القادرة على دعمنا بالبيانات هي الهيئة العامة للاستشعار عن بعد، فلديهم تقنيات يمكنها تحديد الخسائر بشكل تقريبي ، هناك ٣٨ حريقاً ما يزال مستمراً حتى اللحظة ( قبل ظهر الجمعة أيضاً ) و الحرائق في تزايد، و لكن يمكننا الجزم بأن خسائر الأراضي الزراعية أكثر بكثير من الأراضي الحراجية”.

ويؤكد علي أن اسباب الحرائق هو الإهمال كسبب رئيسي، فإشعال النيران بشكل عشوائي، وامتدادها بسبب الرياح، و بالتالي صعوبة السيطرة عليها، هو المسبب الأول، و من غير الوارد أن تكون جميع هذه الحرائق مفتعلة.

ويشير علي إلى أنه خلال اجتماع مع الوزير بعد حرائق اللاذقية الأخيرة قال الوزير: “طلبت الضبوط الحراجية، وكانت النتائج أنه لم تتم إدانة أي شخص منذ عام ٢٠٠٥ وحتى هذه اللحظة بأي ضبط، وبالتالي هناك تقصير في مكان ما”.

ويضيف: ” كنت متواجداً في عدة نقاط مشتعلة، ورأيت بأم عيني العمل الجبار لعمال الحراج والإطفاء والدفاع المدني، لكن الإمكانيات ضعيفة وعدد عربات الإطفاء المجهزة للعمل لا يتجاوز ١٥٧ من أصل ٣٥٠ فيما الباقي معطل، وهذا بسبب الحصار، ولا يستطيعون إصلاحها لعدم توافر قطع الغيار”. و يؤكد على وجوب التعاون من قبل الأهالي مع “الحراج” و الجهات المعنية للوصول الى المسبب الأساسي .

ويشدّد علي على أن “الفقر هو من الأسباب المسببة للحرائق، فهناك من يلجأ للحرق ومن ثم بيع الحطب، ومن كان يعتبر أن مسكنه قرب الغابات هو ميزة لقدرته على الاستفادة من الغابات وحرقها، الآن هو يعاني، لأن بعض الأهالي تشردوا اليوم نتيجة تعرض منازلهم للاحتراق.”

و يختم علي: ” لستُ مع نظرية المؤامرة، و لكن على وزارة الداخلية التحقيق وكشف الفاعل، لأنه إذا كانت هذه الحرائق مفتعلة فمن الواضح بأنه لدينا خلل ما ويجب معرفة الدوافع ومن الفاعل ومحاسبته ومعاقبته وإعلان اسمه على الإعلام ليكون عبرة لغيره”.

( الخبير السوري )

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

57 − 55 =