مروان محفوظ فتحَ لنا حديقة العمر المليئة بعطر الحب .. بأمان الله يا مروان

السلطة الرابعة – علي محمود جديد

منذ نحو أربعين عاماً داعب مروان محفوظ مشاعري وأثارها بقوة عندما كنتُ في بيت حبيبتي ( سلمى ) ولم أكن قد تجرّأتُ بعد على إعلان الحب لها، ولكن كان قلبي ينبضُ بقوّة ليس فقط عندما أراها، وإنما وقتما أتذكرها أيضاً، فأشعر أنّ تيّاراً ساخناً ينطلقُ من قلبي ليجتاحني.

لم تكن تُبدي نحوي أيّ اكتراثٍ غير طبيعي، أو تصرفات توحي بأنها تبادلني ذلك التيار، ولكنها لا تنزعج من وجودي، كانت فقط تقدم فنجان القهوة بحياءٍ جميل وابتسامة خفيفة، ثم تأخذ زاوية من البيت تتابع دروسها.

مرات عديدة ألتفتُ إليها بين وقتٍ وآخر فتكون منشغلة بالدرس، ومن النادر أن تضبطني بهذه اللفتات، وإن ضبطتني فتتابع درسها دون إظهار أي موقف أو انفعال، ودرسها يكون في الداخل صيفاً، بينما نحن نجلس خارج المنزل على ترّاسٍ نجتمع عليه أنا ووالدها وبعض الأصدقاء المشتركين.  

كنتُ أضطر لزيارتهم بين كل فترة وفترة إلى البيت ليس فقط لأننا وإياهم جيران في القرية، وبيتنا لا يفصله عن بيتهم سوى حواكير صغيرة، وإنما كان هناك ظروف أخرى – مع أحد أولئك الأصدقاء – تُلزمني بتلك الزيارات، وكم كنتُ أتمنى لهذه الظروف أن تطول لأبقى سعيداً باضطراري لزيارة بيتهم، وقد طالت تلك الظروف فعلاً كما أريد وأشتهي، وطالت معها ترانيم السعادة، تتراقص في شرايين قلبي ولا تهدأ.

في أحد المساءات الربيعية .. صار الجو بارداً ونحن جالسون على التراس، فدخلنا إلى المنزل، ومن حسن الحظ أن والدها شغوف بمتابعة الأخبار، وبعد دخولنا فتح جهاز الراديو ليستمع إلى النشرة المسائية، انتهت النشرة .. وتابعنا الحديث، وسلمى منكبّة على الدراسة .. فيما بقي الراديو مفتوحاً، وأنا أسترق النظرات .. وهي كالعادة مُنصرفة للدرس .. ورأسها في الكتاب.

وفجأة صدح مروان محفوظ من جهاز الراديو الذي بقي مفتوحاً بأغنيته الدافئة الرائعة :

خايف كون عشقتك وحبيتك

ويكون الهوى رماني ببيتك

بسرعة نظرتُ إليها .. وبالثانية نظرت إليّ .. ابتسمتُ لها .. فابتسمت إليّ .. وبقيت تنظر للحظات .. فاحمرّ وجهها وعادت لتدرس .. وطوال الأغنية بين لحظة وأخرى ننظر إلى بعضنا ونبتسم .

وعثرنا على المفتاح

المعطر بالحب

 منذ أربعين عاماً كانت هذه الأغنية بمثابة المفتاح الذهبي الضائع الذي فتح لنا أبواب حديقة العمر المليئة بعطر الحب وأزاهيره، ولا نزال إلى اليوم نتذكر الدفء الذي غمرتنا به في ذلك المساء البارد، كلما سمعناها، وهي ما تزال إلى اليوم فعلاً تُنعش قلوب المحبين، فهي أغنية صادقة نابعة من القلب فلا يستقرّ صداها إلاّ بأعماق القلوب.

حاضرون وإن غابوا

هكذا هم عمالقة الفن سيبقون حاضرين دائما وإن غابوا، وهؤلاء لا يموتون، فمروان محفوظ – وإن توقف قلبه اليوم – فهو لن يموت .. وسيبقى حياً خالداً بيننا بفنه الراقي المشبع بالصدق والجمال المُلامس للقلوب الإنسانية المحبة.

رحم الله الفنان اللبناني الكبير مروان محفوظ وأسكنه فسيح جنانه، فقد غادرت روحه الطيبة ذلك الجسد الجميل، وتلك الابتسامة المشرقة يوم أمس الجمعة 25 / 7 / 2020 م / هنا في سماء دمشق .. له الرحمة .. ولروحه ألف سلام.

وقد نعت نقابة محترفي الموسيقى والغناء في لبنان، الفنان الكبير أنطوان محفوظ، المعروف بالاسم الفني مروان محفوظ، الذي – قالت بأنه – توفي في مستشفى الأسد الجامعي في العاصمة السورية دمشق “على أثر تدهور حالته الصحية ونقله إلى المستشفى بسبب ارتفاع حرارته وضيق في التنفس”.

في حين قامت وزارة الثقافة السورية بنعيه على صفحتها الرسمية وقالت :

صديق سورية البار

مروان محفوظ

في ذمة الله

إن وزارة الثقافة تنعي إلى محبي الفن الأصيل الفنان العربي اللبناني الكبير مروان محفوظ الذي وافاه الأجل على أرض البلد التي أحبها وغنى لها، أرض وطنه الثاني سورية.

لقد أتى فناننا الكبير إلى سورية بدعوة من وزارة الثقافة لإحياء حفل في دار الأسد للثقافة والفنون ضمن مهرجان الثقافة تنتصر، ولكن قبل موعد الحفل بأيام معدودة تم إلغاء كافة الأنشطة الثقافية الجماهيرية كإجراء استباقي لمواجهة وباء كورونا، ومع ذلك ظل مروان محفوظ في دمشق إلى أن عاودت وزارة الثقافة نشاطها، فأحيا حفلته وتهيأ للعودة إلى لبنان ولكن المنية عاجلته قبل أن يستطيع ذلك.

فقد تمكن منه مرض كورونا وغدر به رغم ما أحيط به من رعاية واهتمام.

 إن وزارة الثقافة إذ تتوجه بخالص العزاء إلى ذوي وأصدقاء مروان محفوظ تؤكد على أن رحيله المحزن كان ضربة موجعة للفن الحقيقي، ستترك خلفها ثغرة لا تعوض، وأن اسم مروان محفوظ سيعيش إلى الأبد في ذاكرة ذواقة الغناء العربي الأصيل.

مروان محفوظ في سطور

وتابعت وزارة الثقافة تقول :

 مروان محفوظ، مطرب لبناني، ولد في المريجات عام ١٩٤٢ – بوابة البقاع – عشق منذ الصغر الغناء والموسيقى.

عند انتقاله من المريجات إلى بيروت، درس أصول الغناء والموسيقى لمدة خمس سنوات على يد الأستاذ في المعهد الموسيقي في بيروت سليم الحلو.

أطل من خلال برنامج الفن هوايتي الذي كان يقدمه رشاد الميمي على تلفزيون لبنان. غنى مروان محفوظ في هذا البرنامج لوديع الصافي “طل الصباح” وأغاني أخرى. ومن هنا كانت انطلاقته نحو الاحتراف، إذ استدعاه الأخوين رحباني وضماه إلى فرقتهما حيث شارك في أول عمل مسرحي في بعلبك “دواليب الهوا” عام 1965 من بطولة الشحرورة صباح والفنان الكبير نصري شمس الدين. شارك مروان محفوظ أيضاً في مهرجانات بيت الدين والأرز، إلى أن كان اللقاء مع زياد الرحباني حيث لعب مروان محفوظ البطولة في مسرحية “سهرية” إلى جانب الفنانة جورجيت صايغ وجوزيف صقر. غنى في هذه المسرحية أغاني لاقت شهرة واسعة منها: يا سيف عالإعدا طايل” و-“خايف كون عشقتك وحبيتك”.

غنى مروان محفوظ للعديد من كبار المؤلفين والملحنين، نذكر منهم: الأخوين رحباني، زياد الرحباني، وديع الصافي، فيلمون وهبي، إلياس رحباني، سهيل عرفة، جوزيف أيوب، عبد الفتاح سكر، وغيرهم …

ومن الشعراء: الأخوين رحباني، موسى زغيب، عبد الجليل وهبي، عيسى أيوب، بطرس ديب، غسان مطر، زياد رحباني، مصطفى محمود، وغيرهم …

إشترك مع الأخوين رحباني في كل المسرحيات التي قدماها من عام 1965 إلى عام 1973.

من بين هذه المسرحيات: دواليب الهوا، أيام فخر الدين، هالة والملك، الشخص، يعيش يعيش، صح النوم، ناس من ورق، المحطة، قصيدة حب، وغيرها.

بين أعوام 1969 و 1974 عمل أيضاً مع المخرج ريمون حداد في بيت الدين مع مجموعة من الفنانين الكبار في مسرحيات كتبها إلياس الرحباني، إيلي شويري وغيرهم، وضمت هذه الأعمال الفنانين الكبار، أمثال: وديع الصافي، نصري شمس الدين، هدى حداد، جورجيت صايغ، ملحم بركات، إيلي شويري، مجدلا، لبيبة الشرقاوي، نديم برباري …

من بين هذه الأعمال، نذكر منها: وادي الغزار، أيام صيف، جوار الغيم، مدينة الفرح، موسم الطرابيش، ومسرحية نوار لكاتبها غسان مطر. قام مروان محفوظ ببطولتها مع ملكة جمال الكون السابقة جورجينا رزق. قام بتلحين أغاني هذه المسرحية: وديع الصافي، فيلمون وهبي، زياد الرحباني، عازار حبيب، بشارة الخوري، ومجموعة أخرى كبيرة. قدم هذا العمل عام 1975 في اوستراليا وقدم عام 1976 في الكويت على مسرح الأندلس.

سينمائياً، إشترك مروان محفوظ في فيلم الأخوين رحباني “سفر برلك” وقام ببطولة فيلم “فتيات حائرات” مع الممثلة إغراء.

أخيراُ

بقي أن نقول بأن رحيل الفنان الكبير مروان محفوظ هو بالفعل خسارة كبيرة لنا وللبنان، وللفن الأصيل، وهو بالمناسبة شخص متواضع جداً، وكان يمتلك قلباً طيباً ومحباً للناس، فقد سبق وأن رأيته عدة مرات في مطعم ( أواديس ) وهو مطعم شعبي بسيط في حي باب توما في دمشق، وهناك رأيت هذه القامة الفنية الكبيرة كيف تتواضع مع الناس ..؟ وكيف كانت البسمة لا تكاد تفارق محيّاه، طبعاً كان يجلس على طاولة مع مجموعة أصدقاء ويحاول أن يرمق الجميع بابتسامته ومحبته.

لن ننساك يا مروان .. بأمان الله أنت وحفظه .   

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

+ 88 = 97