بجرأةٍ مُقلقة .. ناظم عيد يفتح ملف جزيرة الكنز السورية من جديد ..

أعترف أنني قلقتُ أكثر من ( بان كي مون ) أيام عزّه بحالات القلق التي كان يبثّها للعالم من منبره الأممي، وقتما قرأت هذه المقالة الجريئة والمقلقة التي تفضّل بها الزميل العزيز الأستاذ ناظم عيد، المستشار في مجلس الوزراء ورئيس تحرير موقع الخبير السوري، فهو يطرح قضية هامة جداً .. وخطيرة في الوقت نفسه، تتمثّل بنسف زراعة السهل الساحلي بالكامل، وإلغاء نمطه السياحي ، وتبديل هويته وقوامه بالشكل الذي نعرفه اليوم، والاستعاضة عن ذلك كله بإقامة منطقة حرة إقليمية ودولية تكون مفتوحة للاستثمارات الأجنبية والعربية والمحلية ، على نمط ( جبل علي ) الواقع في إمارة دبي .

غير أن الزميل ناظم كان مرناً في إبراز أهمية نقاش هذا الأمر ودراسته بعمق قبل اتخاذ القرار، وهذا منطق مطمئن .. وأعتقد أن اتخاذ القرار من دون دراسات كافية ووافية ومن دون نقاش وتقييم وحوار سواء كان بالرفض أم بالقبول .. هو قرار خاطئ.

علي محمود جديد

جزيرة الكنز السوريّة.. رحلة واعدة من تحت خط الفقر إلى فوق ” شريط الغنى”..

نــاظم عيـــد  

ليس في هذا العالم فكرة اقتصادية محرّمة ومحظورة على إمكانية النقاش والدراسة.. ولعله من الخطأ الذي لا يُغتفر أن نواجه أي فكرة جديدة بالرفض لمجرد عدم الاطمئنان أو الخوف أو الجهل بها، بما أن ” الإنسان عدو ما يجهل غالباً”.

الفكرة التي طرحناها للنقاش يوماً.. ما زالت تلحّ علينا لما لها من جاذبية أولاً ومن عائدات مجزية ثانياً.. ثم لعدم وجود تعقيدات حقيقية في تطبيقها ثالثاً.. هي فكرة تحويل الشريط الساحلي أو حيز منه إلى منطقة حرّة على غرار التجارب العالمية، من جبل علي في دبي، إلى تجارب أخرى في سنغافورة أو ماليزيا أو أو أو …

فأهم ما يمتاز به اقتصادنا الوطني هو التنوع بقطاعاته الذي يحقق له التوازن وعدم التبعية إذا أحسنا إدارة واستثمار هذه الميزة، فهو ليس نفطياً بالمطلق ليُرْهَن مستقبله بالنضوب كما دول الخليج، ولا سياحياً بامتياز ليتأثر بذبذبة المواسم السياحية وما يعتريها من أزمات كما لبنان، ولا زراعياً كاملاً ليرتبط نجاحه بالتغيرات المناخية والهطلات المطرية، ولا حتى تجارياً وصناعياً ليصاب بأزمات تخلخل كيانه، فهو يجمع كل هذه القطاعات التي هي مقومات ومرتكزات قوّة، لو استطاع روادها الاستراتيجيون والتنفيذيون توثيق الرباط فيما بينها حيث يكمل بعضها بعضاً، الأمر الذي يحتاج إلى مبادرات وأفكار غير عادية – وإن كانت للوهلة الأولى طوباوية – لكن لا بأس في التمعن والتفكر بها علّها تكون بالفعل مصدر إلهام لخطوات عملية جريئة تُحسَبُ لصانعيها من أجيال يفترض أن نقدم لها إرثاً تزهو به ويكون مفخرة لها.

تحويل الشريط الساحلي إلى منطقة حرة ولو على حساب الإنتاج الزراعي في تلك المنطقة وبعض المنشآت السياحية، لاعتبار نظن أنه الخطوة الاستثمارية الأكثر جدوى مما يستثمر في الساحل السوري رغم أهميته أسوة بتجارب من جرّبوا، و التي حققت نجاحات كبيرة في جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية في هذا المجال، رغم افتقار معظمها إلى المؤهلات الموجودة في ساحلنا السوري كالموقع الاستراتيجي والطبيعة الزراعية التي تمكّن – في حال تحويل الساحل لمنطقة حرة – من إنشاء صناعات زراعية معدّة للتصدير مباشرة وقادرة على المنافسة بقوة في الأسواق الخارجية، وتوطين أخرى لها أسواق خارجية، إلى جانب فعاليات تجارية وخدمية، حيث يتحول ساحلنا إلى منطقة اقتصادية إقليمية قادرة على جذب الاستثمارات سواء السورية في بلاد الاغتراب أم الأجنبية، فضلاً عن توفير فرص العمل ومواجهة تحدي البطالة.

لدى طرح الفكرة كان التحفظ الأبرز على هذه الفكرة يتمحور حول إقصائها للمساحات الزراعية أو الحدّ منها وخاصة تلك المنتجة للحمضيات والزراعات المحمية (البيوت البلاستيكية) الناجحة بامتياز في المنطقة الساحلية، وهذه – بنظر الأغلبية – خسارة كبرى من الصعب تعويضها إن لم يكن من المستحيل، لكن لو أمعنا النظر بخصوصية الساحل الزراعية وبحثنا بحيثيات ومفاصل الطبيعة الساحلية وقابليتها للزراعة ومدى الاستغناء عن بعض منتجاته الزراعية والاستعاضة عنها بفعاليات اقتصادية أخرى، لخرجنا بصورة مختلفة تماماً عما قد يتبادر لذهن أي متحفظ أو رافض لأفكار جديدة.

لم نتفهّم أسباب رفض الفكرة في أوساط أكاديميّة كثيرة، فالرفض هنا من قبل الأكاديميين وليس التنفيذيين، يثير تساؤلات كثيرة عن سلامة النسق الذهني الذي يعمل به هؤلاء، إضافة إلى هواجس حول مدى قدرتهم على قبول الجديد، واجتراح الأشياء غير التقليدية لدى ممارستهم لاختصاصهم التدريسي والأكاديمي – البحث.

لكن أحد أساتذة الاقتصاد الزراعي – جامعة دمشق، كان لافتاً بمرونته في الواقع، عندما أبدى وجهة نظره.. فهو يرى أن  المنطقة الساحلية تتكوّن من شريط (أو سهل) ساحلي ضيق وجبل، ويمكن استثمار الشريط بإقامة مشاريع استثمارية صناعية وتجارية وخدمية، وبالتالي سينحصر تخصيص المنطقة الحرة بالسهل الساحلي الذي تعتبر نسبته صغيرة جداً من مجمل مساحة المنطقة الساحلية ولاسيما أن هناك مناطق يتراوح عرضها بين 1 و2 كم، ومن ثم يبدأ الجبل الذي هو في الأصل المنطقة الإنتاجية للأشجار المثمرة (حمضيات -زيتون.. الخ) إلى جانب الحراجية، ومن غير الممكن استثماره بإقامة منشآت ومشاريع استثمارية (معامل – مكاتب تجارية – مستودعات ..الخ) وبالتالي لن تتأثر هذه المنتجات بإقامة منطقة حرة ساحلية، أما بالنسبة للسهل فينحصر إنتاجه الزراعي بالبيوت البلاستيكية وما تنتجه من خضار يمكن الاستغناء عنها على اعتبار أن سهل حوران كفيل بإنتاجها بالدرجة الأولى، إلى جانب إمكانية إنشاء مثل هذه البيوت في مناطق أخرى ولو بتكلفة أعلى في حال الاضطرار إليها، وخاصة أن الاعتماد عليها يكون فقط في فصل الشتاء، مشيراً إلى أن ما يشجع على عدم تخصيص الشريط الساحلي بالزراعة والاستغناء عن بعض زراعاته هو أن كل منتجاته ليست استراتيجية.

ويضيف: إن موقع الساحل السوري باعتباره نقطة وصل بين سورية والخليج العربي وأوروبا وتركيا يؤهله لأن يكون منطقة حرة ليس سورية فقط بل إقليمية، شريطة أن يكون هناك رغبة حقيقية لتجسيد هذا المشروع على أرض الواقع من خلال سياسة اقتصادية مدروسة بدقة متناهية تجذب المستثمرين المحليين والأجانب، مؤكداً أن جدواها الاقتصادية أكبر بكثير من أي مشروع آخر.

الواقع أن ثمة فرصاً هائلة ضائعة من خلال الاقتصار في استثمار الشريط الساحلي السوري، على قطاعات تقليدية هي السياحة والزراعة.. فكم هو مريع مشهد ” الشاليهات” العشوائية المتناثرة على معظم طول الشريط الساحلي.. ومعظمها تحوّل إلى بيوت سكنية رخيصة بسبب عدم كفاية الرواد.. إضافة إلى تحولها إلى بؤر ” خارجة على القانون”.. فهي ليست مساكن وليست استثمارات سياحية، بالتالي باتت خارج مضمار الرعاية والوصاية التنفيذية.. وهذه مشكلة كبيرة ” أن نستهلك شواطئنا لاستثمارات أفقية غير منتجة”.

وفي الجانب الزراعي.. تبدو المشكلة أكبر، فلنتخيّل أن الأراضي القريبة من الشاطئ معطلة لأجل الزراعة، وأي زراعة؟؟..زراعات غالباً تعاني الفشل لأسباب مناخية وارتفاع نسبة الرطوبة بالتالي ازدياد احتمالات الأمراض ومن ثم حتمية ارتفاع تكاليف المكافحة…وهذا يعني تراجع هائل في الجدوى أو ربما الخسارة.

لذا لا بد من التفكير بإنعاش هذا الشريط وبالتالي الاقتصاد السوري.. بأن نوطّن بعض تجارب المجربين.. فهو مضمار رحب لإقامة منطقة حرة ” تجارة وتخزين وتصنيع ثم إعادة تصدير”.. وسيكون قبلة لاستقطاب الرساميل من الخارج نظراً لمرونة القوانين التي تنظم عمل المناطق الحرة.

الفكرة جديرة بالنقاش والدراسة.. على نيّة التطبيق وليس الرفض المسبق.. وإن لم نفعل نكون نحن من يتعسّف بمواردنا ونحجب الفرص عن أنفسنا، أي هواة فقر وتعتير ؟؟!!

 ( الخبير السوري )

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

− 3 = 1